عن حقيقته فإن (ما) يسأل بها عن الْحَقيقَة مُطْلَقًا سواء كان من أولي العلم أو لا، فلذا لم يقل
ومن رب الْعَالَمينَ وهو يذكر أفعاله ولم يراع مطابقة الْجَوَاب للسؤال مراده به القدح
والنعلل بعدم التصديق .
قوله:(أو يزعم أنه رَبُّ السَّماواتِ وهي واجبة متحركة لذاتها كما هو مذهب
الدهرية)أو يزعم عطف عَلَى يذكر لكن هُوَ عين الْمَعْطُوف عليه في المآل، فالأولى أنه
عطف عَلَى سألته وهي أي السَّمَاوَات واجبة لذاتها جملة حالية تفيد عدم كون السَّمَاوَات
مخلوقة فلا يكون له رب وكذا الْكَلَام في الْأَرْض كما هُوَ مذهب الدهرية النافين للصانع
وفرعون لما احتمل كونه دهريًا كما سيصرح به ذكر هذا الاحتمال في قوله:(قال لمن
حوله)الآية. وكونها واجبة متحركة لذاتها بناء عَلَى عدم العلم بإمكانها
وحدوثها والخطأ في النظر وعدم المعرفة بمعنى الواجب لذاته والإمكان لذاته .
قوله: (أو غير معلوم افتقارها إلَى مؤثر) فلا يثبت ما قاله عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى زعمه عَلَى
التقديرين أما عَلَى الأول فظاهر، وأما عَلَى الثاني فلأنها [حِينَئِذٍ] لا قطع بافتقارها بعد تسليم
إمكانها وعدم كونها واجبة لذاتها ؛ إذ الافتقار فرع إمكان تأثير الغير أما في الماهية أو في
الوجود أو الْمَوْصُوفية والكل غير معلوم ثبوته ؛ إذ الماهية ليست بمجعولة بسيطة أو مركبة
كما بين في محله مع اخْتلَاف فيه وكذا الوجود لأنه أَيْضًا ماهية من الماهيات وكذا اتصاف
الماهية بالوجود بمعنى أنه أي المؤثر يجعل اتصافها موجودًا متحققًا في الخارج، وأما بمعنى
أنه يجعلها متصفة بالوجود بعد أن لم تكن متصفة به فتأثير الْفَاعل فيه ثابت متحقق مما لا
يَنْبَغي أن ينازع فيه لكن لمن حرم من النظر الصائب والفكر الثاقب أن ينازع فيه، وعن هذا
قال أو غير معلوم افتقاره إلَى مؤثر بناء عَلَى زعمه وسائر الدهرية بدون قطع في أحد
الطرفين، وإنما تعرض هذا الاحتمال الواهي ولم يكتف بالوجه الأول وهو قوله سأله عن
حقيقته وهو يذكر أفعاله مع أنه كانت في حل قوله: (لمن حوله ألا تسمعون) .
إذ قَوْلُه تَعَالَى حكاية عن موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ (قال ربكم) الآية. ملائم للاحتمال
الثاني الذي بطلانه واضح كما أشار إليه بقوله عدولًا إلَى ما لا يمكن الخ.
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ(26)
قوله: (عدولًا إلى ما لا يمكن أن يتوهم فيه مثله ويشك في افتقاره إلى مصور حكيم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: عدولًا مَفْعُول له لقال. أي قال: (ربكم ورب آبائكم الأولين) عدولًا