فهرس الكتاب

الصفحة 9019 من 10841

قوله: (وهي عبارة عن كثرة أهل النَّار) أي كناية عن ذلك؛ إذ لو لم يكُونُوا جمعًا كثيرا

جدًا لم يحبس أولهم انتظارا لمجيء آخرهم فذكره هنا للدلالة عَلَى ما ذكر ولولاه لم يكن

تحته فَائدَة كذا قيل. ولا يخفى أن فيه فَائدَة تفضيحهم وتشهيرهم ولا ينافيه قَوْلُه تَعَالَى:

(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا) لأن الْمُرَاد فوجًا متفرقًا يساق بعضهم

إثر بعض بحسب طغيانهم وزيادة عتوهم فيجوز حبس أولهم الخ. أو الْمُرَاد حبس أول فوج

من تلك الأفواج المتفرقة عَلَى آخر ذلك الفوج، فعلى هذا اندفع الإشكال بأن قَوْلُه تَعَالَى:

(قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا) بأن هذا الْقَوْل يدل عَلَى أن

بعضهم وهم المتبوعون يدخلون في جهنم أولًا فَكَيْفَ يقال يحبس أولهم لئلا يتفرقوا. وجه

الاندفاع هُوَ أن الْمُرَاد يحبس أول فرقة من تلك الفرق كالمتبوعين عَلَى آخرهم لا كل فوج

فوج وكذا فرقة التابعين أَيْضًا يحبس أولهم عَلَى آخرهم.

قَوْلُه تَعَالَى: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(20)

قوله: (إذا حضروها و(ما) مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور) لأنه توكيد ما زيدت

لفظة ما بعده وهو كلمة إذا فهي تؤكد معنى إذا وكلمة إذا لكونها للشرط يدل عَلَى اتصال

الْجَوَاب وهو الشَّهَادَة بالشرط وهو المجيئة لوجوب وقوعهما في زمان واحد ولو كان ممتدًّا

في بعض الأوقات كما فيما نحن فيه فإن المعنى حتى إذا ما جاءوها سئلوا عن معاصيهم

فأنكروا فشهد عليهم بعد ختم أفواههم لكن هذا يعتبر زمانًا واحدًا ممتدًّا فلا ينافي قوله

لتأكيد اتصال الشَّهَادَة بالحضور ففي الْكَلَام إيجاز حذف بأكثر من جملة، والْمُرَاد بالجلود

الجوارح بدليل قَوْلُه تَعَالَى: (وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم) وهذا أولى من

التَّخْصِيص بالفروج ولا يبعد أن يقال إن كل عضو يشهد بما فعله والاكتفاء بما ذكر لأنه

سبب لمعاصي سائر الأعضاء.

قوله: (بأن ينطقها الله تعالى) وهذا أنسب لقولهم: (أنطقنا الله) ولذا قدمه

وهذا الإنطاق إما بتركيب العقل والإدراك فيها أو بدونه؛ إذ هي من خوارق العادات.

قوله: (أو يظهر عليها آثارًا تدل على ما اقترف بها فتنطق بلسان الحال) وهذا الإظهار

إنطاق اسْتعَارَة ودلالة الآثار والعلامات عَلَى ما اقترف أي اكتسب بها أي بتلك الأعضاء

وفيه تأييد لما قلنا من أن الْمُرَاد مطلق الأعضاء نطق بلسان الحال وهي أنطق من لسان

المقال واسْتعَارَة نطقت الحال مشهورة وإظهار هذه الآثار إما بتغيير أشكالها إلَى أسوأ

الأشكال أو بإحداث هيئة قبيحة عَلَى أشكالها الأصلية. قيل فإن قلت: عَلَى كل حال الشاهد

أنفسهم وهي آلات كاللسان [فما معنى] شهدتم علينا؟ قلت قال الشارح المحقق في شرح

الكَشَّاف ليس الْمُرَاد بهذا النوع من النطق الذي ينسب حَقيقَة إلَى الْجُمْلَة ويكون غيره آلة

بلا قدرة وإرادة له في نفسه حتى لو أسند إليه كان مَجَازًا كإسناد الْكِتَابَة إلَى القلم بل عَلَى

أن الأعضاء ناطقة حَقيقَة بقدرة وإرادة خلقهما الله تَعَالَى فيهما، وكَيْفَ لا وأنفسهم كارهة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت