بالجهر ليس معناه الْمَخْصُوص بالقراءة والأقوال بل الْمُرَاد الظهور لكونه لازمًا للجهر
فيكون عامًا للمعنى الحقيقي [والمجازي] بطَريق عموم الْمَجَاز، والقرينة عليه مقابلته (ما يخفى)
والجهر يراد به الحاصل بالمصدر لا الْمَعْنَى النسبي ولذا قال: (ما ظهر وما بطن)
عبر بالْمَاضي عن الْمُضَارِع؛ إذ الْمُرَاد بالعلم تعلقه الحادث وهو ماضٍ
والحال من أواخر الزمان الْمَاضي والْمُضَارِع في النظم الجليل لحكاية الحال الْمَاضية أو
للحال وتأخيره للفاصلة وتقديمه في بعض المواضع؛ لأن تعلق العلم بالخفيات أغرب
بالنسبة إلينا، والجمع بَيْنَهُمَا للتنبيه عَلَى أن تعلق العلم بهما عَلَى السواء بالنسبة إليه تَعَالَى.
قوله: (أو جهرك بالقراءة مع جبْريل وما دعاك إليه من مخافة النسيان) فحِينَئِذٍ
يكون الجهر مصدرًا واللام عوض عن الْمُضَاف إليه وما دعاك إليه الخ. تفسير لقوله:
(وما يخفى) والتَّخْصِيص من مقتضيات المقام فيكون حِينَئِذٍ قوله:(إنه
يعلم)الخ. اسْتئْنَاف يجري مجرى التعليل لما قبله من قوله: (سنقرئك)
الآية. وأما عَلَى الأول فهو تعليل لجميع ما تقدم ولذا قال ما ظهر من
أحوالكم فيدخل فيه حال النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ دخولًا أوليًّا من [الموحى] إليه فينسى ما يشاء
إنساءه ويبقى ما يشاء إبقاءه أخَّره مع أن الجهر عَلَى حقيقته وتقديمه عَلَى (ما يخفى)
ظَاهر لأن التَّخْصِيص خلاف الظَّاهر.
قوله: (فيعلم ما فيه صلاحكم من إبقاء وإنساء) تفريع عَلَى الوجه الأول بقرينة
صلاحكم بالجمع. قوله من إبقاء وإنساء أي مثلًا فإن في هذا صلاح الْمُسْلمينَ وإن كان
الإبقاء والإنساء له عَلَيْهِ السَّلَامُ، وجوز تفريعه عَلَى الوَجْهَيْن معًا، وفيه تنبيه عَلَى أنه تَعَالَى
يراعي المصلحة فيما فعله تفضلًا لا وجوبًا، وأن الْمُرَاد بإخبار علمه بالجهر والخفي
وعلم ما في صلاحكم إفادة مراعاته تَعَالَى الْحكْمَة في جميع أفعاله وتروكه وإن لم
نطلع عليها.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى(8)
قوله: (ونعدك للطريقة اليسرى في حفظ الوحي) أي نجعلك مستعدًا لها ومتهيأً الخ.
أشار به إلَى أن تعدية التيسير بنفسه لتضمنه معنى الإعداد والتوفيق؛ إذ المعتاد تعديته باللام
كما نبه عليه الْمُصَنّف؛ إذ الْفعْل يجعل يسرًا وسهلًا للفاعل لا العكس؛ إذ لا معنى لجعل
الذات سهلًا ويسرًا للفعل إلا إذا أريد القلب باعْتبَار لطيف.
قوله: (أو التدين ونوفقك لها) أو التدين عطف عَلَى حفظ الوحي أي اليسرى في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو جهرك بالقراءة مع جبريل. قيل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجل بالقراءة [إذا لقنه] جبريل،
فقيل: لا تعجل، فإنّ جبريل مأمور بأن يقرأه عليك قراءة مكررة إلى أن تحفظه. يعني أنك تجهر
بالقراءة مع قراءة جبْريل مخافة التفلت والله يعلم جهرك وما في نفسك مما يدعوك إلَى الجهر فلا
تغفل فأنا أكفيك ما تخافه.