قوله: (ذو الاستغناء المطلق) تفسير الجلال باللازم لأن الجلالة العظمة وهي
تستلزم الغناء عن جميع الموجودات من جميع الجهات وإلا لكان محتاجًا ولو من وجه
وهو مستلزم للحقارة تَعَالَى الله عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا، وإنما فسره باللازم لتكثير الفَائدَة
وتتميم العائدة.
قوله: (والفضل العام) تفسير الإكرام والعموم مُسْتَفَاد من صرفه إلَى الْكَمَال، وأَيْضًا
صفاته تَعَالَى عَلَى وجه الْكَمَال، ولك أن تقول: إنه منفهم من الاستغناء المطلق، وبهذا يظهر
وجه تقديم الجلال عَلَى الإكرام في الذكر. نقل عن الكرماني أنه قال: إنه تَعَالَى له صفات
عدمية مثل لا شريك له، وتسمى صفات الجلال وصفات وجودية كالعلم والحياة وتسمى
صفات الإكرام انتهى. وكذا صرح به جم غفير من العلماء، ولعل سره أن الجلال عبارة عن
الاستغناء المطلق وهو سلب الاحتياج فاستعمل في كل سلب، والإكرام عبارة عن الإحسان
والإنعام وهو وجودي فاستعمل في كل وجودي بذكر المقيد وإرادة المطلق.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(28)
قوله: (مما ذكرنا قبل) من بقاء الرب وهو نعمة جسيمة لكونه سبب لإبقائه وهو
منحة عظيمة.
قوله:(أي من بقاء الرب وإبقاء ما لا يحصى مما هُوَ عَلَى صدد الفناء رحمة
وفضلًا)إشَارَة إلَى الوجه الثاني الذي بينه بقوله ولو استقريت الخ. والإبقاء نعمة واحدة
لكنها كثيرة جدًّا باعْتبَار المتعلقات كما نبه عليه بقوله وإبقائه ما لا يحصى الخ. فاتضح
معنى جمع الآلاء.
قوله: (أو مما يترتب عَلَى إفناء الكل من الإعادة والحياة الدائمة والنعيم المقيم) أو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ذو الاستغناء المطلق والفضل العام. وفي الكَشَّاف (ذو الجلال والإكرام)
صفة للوجه ومعناه الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم، أو الذي يقال له: ما أجلَّك
وأكرمك، أو من عنده الجلال والإكرام [للمخلصين] من عباده. إلَى هنا كلامه. لما قيد الزَّمَخْشَريّ كل واحد
من الجلال والإكرام بقيد فيه فوجه من أصل الاعتزال وتعريض بأهل السنة في أنهم قَالُوا قبائح أعمال
العباد بخلق الله بقوله يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم فسرهما القاضي رحمه اللَّه
بحملهما عَلَى معنى الإطلاق من كل قيد فقوله الاستغناء التام معنى الجلال، وقوله والفضل العام معنى
الإكرام وهذه الصّفَة التي هي (ذو الجلال والإكرام) من عظائم صفات الله وكلها
عظيمة. ولقد قال رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم"ألظوا [بـ يا ذا] الجلال والإكرام"أي الزموا واثبتوا
عليه وأكثروا ذلك في دعواتكم. وعنه صلى الله تَعَالَى عليه وسلم [مرَّ] برجل وهو يصلي ويقول يا ذا الجلال
والإكرام فقال: قد استجيب لك. قال حجة الْإسْلَام: لا جلال ولا كمال إلا وهو له سبحانه، ولا كرامة ولا
مكرمة إلا وهي صادرة منه، فالجلال من ذاته والمكرمة [فائضة] منه عَلَى خلقه وفنون إكرامه خلقه لا تكاد
ننحصر وتتناهى، وعليه دل قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) .