الاحتمال الأول (فيكون ضمانًا لها من الله تَعَالَى بالحفظ كقوله(وإنا له لحافظون) .
قوله: (أو لا نبي ولا كتاب) أي عَلَى تقدير أن الْمُرَاد بها الْقُرْآن فمعنى (لا مبدل) لا
نسخ كما أن الْمَعْنَى في الاحتمال الأول عَلَى أن الْمُرَاد أن الْقُرْآن لا محرف ولا مغير، وأما
الْمَعْنَى عَلَى الاحتمال الأول عَلَى أن الْمُرَاد مطلق الكتب لا مبطل بإتيان ما هُوَ أصدق
وأعدل (بعدها ينسخها ويبدل أحكامها) .
قوله: (وقرأ الكوفيون ويَعْقُوب(كلمة ربك) أي ما تكلم به) عَلَى الاحتمال الأول أي
الْمُرَاد بالكلمة الجنس فيعم الكتب.
قوله: (أو الْقُرْآن) عَلَى الاحتمال الثاني. وجه إطلاق الكلمة عليه مع أنه كلمات كثيرة
هو أنه مضبوط بضابط هُوَ جهة وحدة وهي كونه معجزًا (لما يقولون) .
قوله: (بما يضمرون فلا يهملهم) إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالعلم والسمع المجازاة لما
يقولون كناية أو مَجَازًا، وتَخْصيص السمع والعلم لأن الْمَذْكُور فيما سبق الْقَوْل وما أضمر
في قُلُوبهمْ خلاف قولهم.
قوله تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(116)
قوله: (أي أكثر النَّاس يريد الْكُفَّار أو الجهال أو أتباع الهوى) والْمُؤْمن بالنسبة إليهم
كالنقطة البيضاء في البقرة السوداء وكذا الجهال وهم أعم من الْكُفَّار لشمولهم الفرق الضالة
وكذا اتباع الهوى أعم من الجهال لتناولهم بمن أضله اللَّه عَلَى علم.
قوله: (وقيل الْأَرْض) أرض (مكة) فالنَّاس ناس مكة فلأن أكثر أهلها [حِينَئِذٍ] كانوا كفارًا مرضه
لأن التخصيص خلاف الظَّاهر وأهل مكة يدخلون فيه دخولًا أوليًّا والخطاب وإن كان لرسول
الله عَلَيْهِ السَّلَامُ لكن الْمُرَاد أمته مع أن الْكَلَام مفروض فلا إشكال، والحصر في(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا
الظَّنَّ)إضافي (عن الطريق الموصل إليه فإن الضال في غالب الأمر لا يأمر إلا بما فيه ضلال) .
قوله: (وهو ظنهم أن آبائهم كانوا عَلَى الحق أو جهالاتهم وآراؤهم الفاسدة) إشَارَة
إلى أن اتباع الظن كالعمل بالظن والاجتهاد ليس بقبيح.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فلأن الضال الخ. قال الإمام: قوله (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ) [يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْأَرْضِ كَانُوا ضُلَّالًا لِأَنَّ الْإِضْلَالَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالضَّلَالِ وَاعْلَمْ أَنَّ حُصُولَ هَذَا الضَّلَالِ وَالْإِضْلَالِ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَوَّلُهَا: الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْإِلَهِيَّاتِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهَا وَاحِدٌ وَأَمَّا الْبَاطِلُ فَفِيهِ كَثْرَةٌ وَمِنْهَا الْقَوْلُ بِالشِّرْكِ أَمَّا كَمَا تَقُولُهُ الزَّنَادِقَةُ، وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) وَإِمَّا كَمَا يَقُولُهُ عَبَدَةُ الْكَوَاكِبِ وَإِمَّا كَمَا يَقُولُهُ عَبَدَةُ الْأَصْنَامِ وَثَانِيهَا: الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنُّبُوَّاتِ إِمَّا كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يُنْكِرُ النُّبُوَّةَ مُطْلَقًا أَوْ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يُنْكِرُ النَّشْرَ أَوْ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يُنْكِرُ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَعَادِ وَثَالِثُهَا: الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَحْكَامِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ فَإِنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يُحَرِّمُونَ الْبَحَائِرَ وَالسَّوَائِبَ وَالْوَصَائِلَ وَيُحَلِّلُونَ الْمَيْتَةَ فَقَالَ تَعَالَى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ فِيمَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الْحُكْمِ عَلَى الْبَاطِلِ بِأَنَّهُ حَقٌّ وَعَلَى الْحَقِّ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ عَنِ الطَّرِيقِ وَالْمَنْهَجِ الصِّدْقِ] .