بكونهم أمواتًا ولا حاجة إلَى أن يقال إنه نفي لكن قوله: (بل أحياء) ليس
من جملة المظنون بل ابتداء كلام من الله تَعَالَى تقريرًا لما قبله.
قوله: (أي بل هم أحياء. وَقُرئَ بالنصب عَلَى معنى بل أحسبهم أحياء) هذا تام عَلَى
تقدير كون الَّذينَ مَفْعُولًا أولًا؛ إذ الأمر بالظن بعد النهي عن ظن الأموات لا مانع منه، وأما
على تقدير كون الَّذينَ فاعلًا فلا يحسن كون الأمر بالحسبان للشهداء لأنهم تيقنوا حياتهم
كما مَرَّ، ولو قدر بل أعتقدهم أحياء لكان أسلم من المناقشة.
قوله: (ذوو زلفى منه) يعني الْمُرَاد من العندية المكانة لا [المكان ولا يعني] في علمه
وحكمه لعدم ملائمة المقام. ولفظه ذوو رسمه بدون ألف أولى من رسمه بالألف لأن الألف
إنما تزاد بعد واو ضمير الجمع الاسمية نحو قَالُوا وهذه ليست بضمير ورسمه بالألف إنما
هو تشبيهًا بواو الضَّمير (من الجنة وهو تأكيد لكونهم أحياء) .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)
قوله: (وهو شرف الشَّهَادَة والفوز بالحياة الأبدية والقرب من الله والتمتع بنعيم الجنة)
وهو شرف الشَّهَادَة قدمه لأنه سبب لسائر الإحسانات والفوز بالحياة الأبدية مُسْتَفَاد من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى بل أحسبهم أحياء طعن فيه أبو علي الفارسي فقال لا يجوز ذلك لأنه أمر بالشك
والأمر بالشك لا يجوز عَلَى الله تَعَالَى. وأُجيب عنه بأن الحسبان ظن وأمر الله بالظن جائز إلَى أن
تكليفه في جميع المجتهدات بالظن.
قوله: ذوو زلفى منه وفي الكَشَّاف مقربون عنده ذوو زلفى يعني لفظ عند هَاهُنَا مُسْتَعَار
للقرب الرتبي لا المكاني لتنزه ذاته تَعَالَى عن الأمكنة والأزمنة وكذا هُوَ في جميع صور إضَافَته إلَى
الله تَعَالَى مجاز عن معنى بحسب اقتضاء المقام الجليل يثبت الألف عند ضمير الجماعة بعد ذوو
فرقًا بينه وبين سائر الواوات وغيره لا يثبتها جريا عَلَى الْقيَاس فإن الخط تابع للفظ وليس في اللَّفْظ
ألف. قيل فيه نظر فإنه ليس في سائر الجموع في اللَّفْظ ألف ويكتب.
قوله: وهو شرف الشَّهَادَة والفوز بالحياة الأبدية. قال الإمام:[اعْلَمْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ قَالُوا الثَّوَابُ مَنْفَعَةٌ خَالِصَةٌ دَائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ، فَقَوْلُهُ: يُرْزَقُونَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَنْفَعَةِ، وَقَوْلُهُ: فَرِحِينَ إِشَارَةٌ إِلَى الْفَرَحِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعْظِيمِ، وَأَمَّا الْحُكَمَاءُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا أَشْرَقَتْ جَوَاهِرُ الْأَرْوَاحِ الْقُدُسِيَّةِ بِالْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ كَانَتْ مُبْتَهِجَةً مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ ذَوَاتُهَا مُنِيرَةً مُشْرِقَةً مُتَلَأْلِئَةً بِتِلْكَ الْجَلَايَا الْقُدُسِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ. وَالثَّانِي:
بِكَوْنِهَا نَاظِرَةً إِلَى يَنْبُوعِ النُّورِ وَمَصْدَرِ الرَّحْمَةِ وَالْجَلَالَةِ، قَالُوا: وَابْتِهَاجُهَا بِهَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي أَتَمُّ مِنِ ابْتِهَاجِهَا بِالْأَوَّلِ، فَقَوْلُهُ: يُرْزَقُونَ إِشَارَةٌ إِلَى الدَّرَجَةِ الْأُولَى وَقَوْلُهُ: فَرِحِينَ إِشَارَةٌ إِلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَلِهَذَا قَالَ:
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يَعْنِي أَنَّ فَرَحَهُمْ لَيْسَ بِالرِّزْقِ، بَلْ بِإِيتَاءِ الرِّزْقِ لِأَنَّ الْمَشْغُولَ بِالرِّزْقِ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ، وَالنَّاظِرُ إِلَى إِيتَاءِ الرِّزْقِ مَشْغُولٌ بِالرَّازِقِ، وَمَنْ طَلَبَ الْحَقَّ لِغَيْرِهِ فَهُوَ مَحْجُوبٌ].