أي ومن هذا الْمَعْنَى أخذ الصبا أي الريح. قوله تميل إليها أي إلَى الصبا فلهذه المناسبة قيل
للريح التي تهب من مطلع الشمس عند استواء الملوين الصبا .
قوله: (وَقُرئَ أصب من الصبابة وهي الشوق) أصب مدغمًا لكونه مضاعفًا مشتقًا .
قوله: (وأكن من الجاهلين) وهو جواب شرط مَحْذُوف منهم من اسْتئْنَاف الْكَلَام
وهو وإن أصب إليهن أكن من الجاهلين من السفهاء، وحمل الجهل عَلَى السفاهة مَجَازًا
لكونها لازمًا له لأن الجهل الحقيقي لا يترتب عَلَى الميل الْمَذْكُور فلذا حمله عَلَى الْمَجَاز .
قوله: (من السفهاء بارْتكَاب ما يدعونني إليه فإن الحكيم لا يفعل القبيح) فإن
الحكيم أي من أوتي علم الشرائع والعمل بمقتضاه لا يفعل القبيح وعكسه النقيض ومن
فعل القبيح لا يكون حكيمًا بل يكون سفيهًا فالحكيم مقابل للسفيه لا للعالم لما عرفت من
أن الحكيم لا يقال للعالم ما لم يكن عاملًا بل مخلصًا .
قوله: (أو من الَّذينَ لا يَعْمَلُونَ بما يَعْلَمُونَ فإنهم والجهال سواء) أو من الَّذينَ عطف
على السفهاء بإعادة الجار وعلى هذا يكون الجهل عَلَى ظاهره لكن بعد تنزيل وجود الشيء
وهو العلم هنا منزلة العدم وإليه أشار بقوله فإنهم والجهال سواء بل الجهال أهون حالا
منهم لأن عذابهم أشد من عذاب الجاهلين عند الأكثرين .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(34)
قوله: (فأجاب الله تَعَالَى دعاءه) وإنما عبر بـ (اسْتَجَابَ) لأنه أعطي الْجَوَاب بتَحْصيل
مطلوبه أشار إليه الْمُصَنّف بقوله فأجاب الله تَعَالَى دعاءه ؛ إذ هُوَ أخص من الإجابة، كَمَا صَرَّحَ
به في أواخر سورة آل عمران .
قوله: (الذى تضمنه قوله وإلا تصرف) فإنه في قوة رب اصرف عني كقَوْله تَعَالَى:
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا) الآية. فإنه في قوة واغفر لنا ذنوبنا
على أبلغ وجه ؛ إذ فيه اعتراف بخسرانهم وهلاكهم عند عدم مغفرتهم. وقولنا اغفر لنا ليس
في هذه المثابة في التضرع والتذلل. وهنا كَذَلكَ كما فهم من التقرير الْمَذْكُور سابقًا .
قوله: (فثبته بالعصمة) تفسير للصرف بأن الْمُرَاد بالصرف ذلك لا المنع عن كيدهن
فإن صرف كيدهن بالمنع عنه لا يلائم مقام الثبات عَلَى العصمة والبر والنزاهة .
قوله: (حتى وطن نفسه عَلَى مشقة السجن) فصار له روحًا ومعراجًا كما أوضحناه آنفًا.
والتَّعْبير بوطن للمُبَالَغَة أي ثبت عَلَى ذلك كما ثبت الرجل في وطنه مع أهله وأحبائه فنسي
المشقة وحصل له اللذة وزال عنه الكلفة وثبت الألفة والمودة .
قوله: (وآثرها عَلَى اللذة المضمنة للعصيان) عَلَى اللذة اللذة العاجلة المثوبة بأنواع
الكراهة المتضمنة للعصيان المعقب له الخسران والندمان .
قوله: (لدعاء الملتجئين إليه) ويدخل عَلَيْهِ السَّلَامُ دخولًا أوليًّا، والْمُرَاد بالسمع
الإجابة وعدم الخيبة ولو بعد حين ومدة .