قوله: (إلا يفوزون بالْهُدَى في الدُّنْيَا وحسن العاقبة في العقبى) بالْهُدَى ناظر إلَى قَوْله
(أعلم بمن جاء بالْهُدَى) قوله وحسن العاقبة ناظر إلَى قَوْله (ومن تكون له عاقبة الدار) فيكون
في النظم صنعة الطباق. وقيل: [فيه] شبه اللف والنشر.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي
يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (38)
قوله: (وقال فرعون) وجه العطف ما مَرَّ فيما قبله؛ إذ ظاهره الاسْتئْنَاف لما بين
تَعَالَى جواب مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى وجه يقطع المشبهات بالمرة شرع في بيان مقال
فرعون مع الإشَارَة إلَى أنه عجز عن محاجة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وانتفل إلَى كلام آخر
كما هُوَ ديدن المحجوجين.
قوله: (نفى علمه بإله غيره دون وجوده إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه،
ولذلك أمر ببناء الصرح ليصعد إليه ويتطلع على الحال بقوله: (فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ)
نفى علمه بإله غيره وجه نفيه تمهيدًا لما سيأتي من بناء الصرح كما
قرره المص وقد ثيل إنه دهري والسَّمَاوَات والْأَرْض موجودتان بالذات. وقيل إنه عارف بربه
وتقرير المص لا يطابق شَيْئًا منهما، فالظَّاهر أن نفي عليه كناية عن نفي وجوده فيوافق الْقَوْل
بأنه دهري فحِينَئِذٍ قوله: (لعلي أطلع) الخ. من قبيل المماشاة قوله في
سورة الشعراء: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) يؤيده
بنوع التأييد، والْمُرَاد بالطين اللبن أي اتخذ لبنًا وأصنع آجر؛ إذ الإيقاد المستعلي عَلَى الطين
مستلزم كونه آجرًا.
قوله: (كأنه توهم أنه لو كان لكان جسمًا في السماء يمكن الترقي إليه) كأنه توهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
المخلوقين ليست له هذه الدرجة، فلا يلزم من انتفائه انتفاء المعلوم حتى يعبر عنه ويتمسك به عليه
قوله: ولذلك أمر باتخاذه عَلَى وجه يتضمن تعليم الصنعة مع ما فيه من تعظيم لا من عظيم كما وقع
في بعض النسخ من لفظ تعظيم. وفي الكَشَّاف: لم يقل: اطبخ لي الآجر واتخذه؛ لأنه أوّل من [عمل]
الآجر، فهو يعلمه الصنعة، ولأن هذه العبارة أحسن طباقًا لفصاحة القرآن وعلوّ طبقته وأشبه بكلام
الجبابرة. وأمر هامان وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين منادى باسمه بـ يا في وسط الكلام: دليل التعظيم والتجبر. قَالَ صاحب المثل السائر فانظر إلَى قَوْلُه تَعَالَى:(فَأَوْقِدْ لِي يَا
هَامَانُ عَلَى الطِّينِ)
فإنه لما جيء بما يقتضي أن يذكر لفظ الآجر عدل منه إلَى هذه العبارة ولم يذكر
لفظ القومد كما فعل المُبَالَغَة.
أو دمية في [مَرْمَرٍ] مَرْفُوعة ... بُنِيَتْ بآجُرِّ [يُشَادُ] بقَرْمَدِ
فإن أولى العبارتين مبتذلة سخيفة متداولة بين العامة والثانية متنافرة وحشية غريبة يضعان
الْكَلَام من قدره.