قَوْلُه تَعَالَى: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كانُوا
يَفْتَرُونَ (24)
قوله: (إشَارَة إلَى التولي والإعراض) بتأويل ما ذكر. معدودات محصورة قليلة أربعين
يومًا بعدد أيام عبادة العجل أو سبعة أيام لأن مدة أيام الدُّنْيَا سبعة آلاف سنة، وقَالُوا إنما
نعذب مكان كل ألف سنة يومًا، وقد مَرَّ في سورة البقرة .
قوله: (بسَبَب تسهيلهم أمر العقاب عَلَى أنفسهم لهذا الاعتقاد الزائغ والطمع الفارغ)
أي لا جهلهم بحَقيقَة الحال من أن المعرض عن الحق يعذبون ؛ إذ الْكَلَام في أحبارهم. قوله
لهذا الاعتقاد لأن لهذا الْقَوْل الباطل صدوره عن اعتقاد فاسد لا الْقَوْل بلا اعتقاد، وهذا أولى
مما قيل. والسبب في الْحَقيقَة زعمهم إياه إلا أنه عبر عنه بالْقَوْل تنزيلًا لمعتقدهم الفاسد عن
منزلة العقائد الفاسدة إلَى منزلة الأقوال الباطلة التي لا طائل تحتها؛ لأن إشعار التَّعْبير بالْقَوْل
إياه ليس بمطرد وإن فهم ذلك بمعونة المقام (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ) الغرور الإطماع فيما لا
يصح (ما كانوا يفترون) .
قوله: (من أن النَّار لن تمسهم إلا أيامًا قلائل أو أن آباءهم الْأَنْبيَاء يشفعون لهم) هذا
قول كاذب، وإنما سمي افتراءً وهو اختلاق الكذب عَلَى الغير إما مَجَازًا بعلاقة العموم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بسَبَب تسهيلهم أمر العقاب عَلَى أنفسهم. قال الجبائي وفي الآية دلالة عَلَى بطلان قول
من يقول إن أهل النَّار يخرجون من النَّار. قال لأنه لو صح ذلك في هذه الأمة أي في أمة مُحَمَّد
عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لصح في سائر الأمم ولو ثبت ذلك في سائر الأمم لما كان المخبر بذلك كاذبًا
ولما استحق الذم فلما ذكر الله ذلك في معرض الذم علمنا أن الْقَوْل بخروج أهل النَّار من النَّار قول
باطل. وقال الإمام:[وَأَقُولُ: كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَذْكُرَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الْعَفْوَ حَسَنٌ جَائِزٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ حُصُولِ الْعَفْوِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ حُصُولُهُ فِي سَائِرِ الْأُمَمِ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ بِأَنَّ الْفَاسِقَ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بَلْ هَاهُنَا وُجُوهٌ أُخَرُ الْأَوَّلُ: لِعِلْمِهِمُ اسْتَوْجَبُوا الذَّمَّ عَلَى أَنَّهُمْ قَطَعُوا بِأَنَّ مُدَّةَ عَذَابِ الْفَاسِقِ قَصِيرَةٌ قَلِيلَةٌ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: مُدَّةُ عَذَابِنَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً عَلَى قَدْرِ مُدَّةِ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَسَاهَلُونَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَيَقُولُونَ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ الْخَطَأِ مِنَّا فَإِنَّ عَذَابَنَا قَلِيلٌ وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ عِنْدَنَا الْمُخْطِئَ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ عَذَابُهُ دَائِمٌ، لِأَنَّهُ كَافِرٌ، وَالْكَافِرُ عَذَابُهُ دَائِمٌ وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ فَقَدِ اسْتَحْقَرُوا تَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي تَغْلِيظِ الْعِقَابِ فَكَانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ كُفْرٌ وَالْكَافِرُ الْمُصِرُّ عَلَى كُفْرِهِ لَا شَكَّ أَنَّ عَذَابَهُ مُخَلَّدٌ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ثَبَتَ أَنَّ احْتِجَاجَ الْجُبَّائِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ضَعِيفٌ].