قَوْلُه تَعَالَى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى(11)
قوله: (ما رأى ببصره من صورة جبْريل أو الله تعالى، أي ما كذب بصره بما حكاه له)
أي ما كذب فؤاد مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَامُ هنا رأى ببصره من صورة جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ أي ما قال
فؤاده لما رآه لم أعرفك ولو قال ذلك لكان كاذبًا؛ لأنه عرفه يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه
ولم يشك في أن ما رآه حق كما سيجيء. لم يقل من جبْريل؛ إذ الْمُرَاد صورته التي خلقها الله
تَعَالَى عليها ولا يفهم هذا من ذكر جبْريل والْقَوْل بأنه لتصحيح اسْتعْمَال (ما) ضعيف؛ لأن ما
عام للعقلاء وغيرهم حَقيقَة عند الْمُصَنّف.
قوله: (فإن الأمور القدسية) علة لكون المرئي هُوَ الله تَعَالَى لأن قوله أو الله مَعْطُوف
على صورة جبْريل فحِينَئِذٍ يكون الْمُرَاد الرؤية بالقلب فيحتاج قوله بالبصر إلَى التمحل، وعن
هذا قال فإن الأمور الخ. والْمُرَاد بها المجردات عن المادة ومعنى القدسية المظهرة من
عوائق المادة.
قوله: (تدرك أولًا بالقلب) لأنها معقولة لا ينالها الحس فلا جرم أنها تدرك بالعقل
بلا معاونة الحس.
قوله: (ثم تنتقل منه إلَى البصر) وجهه أن نور البصيرة لما اشتد نفذ بالخرق إلَى الْقُوَّة
الباصرة فيظن أنه رأى بالبصر، وعلى هذا يحتمل قول من قال: رأيت الله تَعَالَى بالبصر؛ لأنه
لكمال معرفته بالقلب ينفصل عنه النور الممتد إلَى الباصرة فيظن أنه رأى بالعين كذا نقل
في عوارف المعارف عن الشيخ عبد القادر الجيلاني، وإنما احتاج إليه لأن كون الفؤاد كاذبًا
أو مكذبًا للبصر فيما يحكيه له يقتضي تقدم إدراك القلب عَلَى إدراك العين بالْمَعْنَى الذي
ذكرناه، وأما الْقَوْل فكأنه لما شاهده بعد هنا عرفه وتحققه لم يكذبه فؤاده فيه بعد ذلك فإنك
إذا عرفت الشمس بالحد أي الرسم كان نوعًا من المعرفة فإذا أبصرتها ثم غمضت عينك
عنها كان نوعًا آخر منها فوق الأول فما في عالم الملكوت يعرف أولًا بالعقل فإذا شوهد
بعد ذلك بالحس علم أنه عين ما عرفه أولًا بالعقل فلم يكذب القلب البصر فيه فضعيف
جدًا. أما أولًا فلأن قوله فإن الأمور القدسية لا تتناول المحسوسات وإلا لكان قيد القدسية
حشوا مخلًا؛ إذ حِينَئِذٍ يكون عامًا لغير القدسية أَيْضًا، وأما ثانيًا فلأن قوله ثم ينتقل منه إلَى
البصر صريح في أن ما يدرك بالقلب حين إدراكه بالعقل ينتقل من القلب إلَى الباصرة، وما
يدرك بالبصر بعده لا انتقال فيه، فلا جرم أن مراده ما ذكرنا وبعض كلامه مبني عَلَى مسلك
الحكماء وبعضه بناء عَلَى اصْطلَاح الصوفية تجاوز اللَّه تَعَالَى عنا وعنه.
قوله:(أو ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ولو قال ذلك كان كاذبًا لأنه عرفه بقلبه
كما رآه ببصره)أو ما قَالَ عطف عَلَى قوله ما كذب بصره هذا اسْتعَارَة تمثيلية؛ إذ الْقَوْل ليس
من شأنه والنفي تابع للإثبات ثم هذا بناء على كون الْمُرَاد صورة جبْريل.
قوله: (أو ما رآه بقلبه) عطف عَلَى قوله أولًا ما رأى ببصره. يعني إن رأى في الْوُجُوه