مجيئه وحين قرب حصوله ثم دعا عَلَى من ندم (فقال لا أفلح اليوم من قد ندم) فلذا جاز
دخول لا عَلَى الْمَاضي بلا تكرير فإنه ليس بشرط في الدعاء، ومساق الْكَلَام يشعر بأنهم
أيقنوا دخول الجنة أما علي - رضي الله تَعَالَى عنه - فمن [المبشَّرين] بالجنة، وأما عمار وحذيفة
-رضي الله تَعَالَى عنهما - فيجوز كونهما من [المبشَّرين] وإن لم نطلع عَلَى ذلك أو اشتياقهما
لأمر آخر مبيح لتمني الموت (أي عَلَى التمني) .
قوله: (سيما) متعلق بقوله اشْتاقها، وقد صحح اسْتعْمَال سيما بلا لاء(إذا علم أنها
سالمة له)كما ادعى الْيَهُود عليهم ما يستحقون (لا يشاركه فيها) أي في الجنة (غيره) وهذا
بناء عَلَى أن الْمُرَاد بالنَّاس جنس النَّاس وهو الْمُخْتَار .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بما قَدَّمَتْ أَيْديهمْ وَاللَّهُ عَليمٌ بالظَّالمينَ(95)
قوله: (من موجبات النَّار) وفيه إشَارَة إلَى أن ما يدعون باطل عندهم أَيْضًا فلا يبعد
الادعاء أن من مات قبل حدوث الْيَهُودية لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَيْضًا ومن اشتغل بتوجيه كلامهم
وتَخْصيصه بمن مات بعد حدوث الْيَهُودية فقد اشتغل بما لا يعنيه كما عرفت تفصيله
(كالكفر بمُحَمَّد صلى الله تَعَالَى عليه وسلم) فإنهم كَفَرُوا به بعد عرفانهم أنه حق (و) كذا
(الْقُرْآن و) جناية (تحريف التَّوْرَاة) معلوم عندهم بداهة، فلا جرم أنهم يخافون العقاب
ويحزنون بالحجاب فَأنَّى لهم التمني وطلب الموت (ولما كانت اليد) إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: سيما إذا علم أنها سالمة لا يشاركه فيها غيره. معناه ناظر إلَى قَوْله لأن من أيقن أنه من
أهل الجنة اشْتاقها وأحب التخلص إليها خصوصًا إذا علم أن الْآخرَة خالصة سالمة له خالصة لا
يشاركه فيها غيره كما زعمه أهل الكتاب فإذا لم يتمنوه علم أنهم كاذبون في دعوى أن الجنة لهم
خاصة لا لغيرهم وأن الْمُرَاد من الدار الْآخرَة الجنة يعني إن صح قولكم لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلا من
كان هودًا فتمنوا الموت.
قوله: من موجبات النَّار كالكفر بمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - والْقُرْآن وتحريف التَّوْرَاة. أقول: الأولى أن يصرف
ما قدمت أيديهم إلَى تحريف التَّوْرَاة وسائر معاصيهم التي علموا أنها معاصي لا إلَى الكفر بمُحَمَّدٍ
صلى الله عليه وسلم والْقُرْآن ؛ إذ الْمَعْنَى عَلَى شمول ما قدمت لذلك أَيْضًا يكون وليس يتمنوا الموت
أبدًا بسَبَب كفرهم بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وذلك إنما يستقيم أن لو اعتقدوا أن ذلك عصيان
وهم لم يعدوا ذلك معصية موجبة للنار لعدم اعتقادهم بصحة نبوته صلى الله عليه وسلم وإذا لم
يعدوه مما يوجب النَّار لا يكون ذلك عندهم سببًا زاجرًا لهم عن تمني الموت .
قوله: فإن التمني ليس من عمل القلب، وفي الكَشَّاف فإن قلت: النفي من أعمال الْقُلُوب وهو