قوله: ( [وَخافُونِ] ) في مخالفة أمري فجاهدوا مع رسولي) فخافون في مخالفة أمري
مُطْلَقًا أو أمري في شأن الجهاد ويلائمه قوله فجاهدوا أي فداوموا عَلَى الجهاد مع رسولي وكذا
خافون في مخالفة نهي ولم يتعرض له لأن الأول أمس بالمقام، وأَيْضًا النهي عن الشيء أمر
بضده والظَّاهر أن الخطاب للخارجين مع رسول اللَّه عَلَيْهِ السَّلَامُ كما أشرنا إليه. قال النحرير
التفتازاني: والظَّاهر أن الخطاب للقاعدين لأن الخارجين لم يخافوهم بل خافوا الله تَعَالَى.
(وقَالُوا حسبنا الله ونعم الوكيل) والظَّاهر الأول؛ إذ الْمُرَاد التحسير للقاعدين
كما مَرَّ والنهي لا يقتضي الوقوع. قوله: (إنْ كُنْتُمْ مُؤْمنينَ) يؤيده لأن مثل هذا
تهييج لا ترديد وشك في إيمانهم ونظائره كثيرة، وأما القاعدون فهم إما المُنَافقُونَ أو قوم ارتدوا عن
الْإسْلَام كما سيجيء فلا إيمان لهم حتى يقال في شأنهم (إنْ كُنْتُمْ مُؤْمنينَ) .
(فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله عَلَى خوف الناس) .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا
يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176)
قوله:(يقعون فيه سريعًا حرصًا عليه، وهم المنافقون من المتخلفين، أو قوم ارتدوا عن
الإسلام)يقعون فيه سريعًا نبه عَلَى وجه تعدية المسارعة بـ في وهو تضمنه معنى الوقوع .
قوله: (والْمَعْنَى لا يحزنك خوف أن يضروك ويعينوا عليك لقوله:(إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا)
الآية). ولا يحزنك خوف أن يضروك أي بتقدير الْمُضَاف والقرينة عليه قوله
تَعَالَى (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) إن الْمَعْنَى لن يضروا أولياء الله
بمسارعتهم، وأما الحزن عَلَى مجرد الكفر المؤدي إلَى العذاب فأمر حسن لا ينهى عنه كَيْفَ لا
قال تَعَالَى: ( [فَلَعَلَّكَ] بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) الآية. قوله ولا يحزنك خوف أن
يضروك كناية عن قوله: (ولا تحزن) بسَبَب مسارعتهم في الكفر مثلا لا أرينك
هنا وأيضًا ظاهره نهي الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ عن الحزن، والْمُرَاد أمته أو الخطاب لكل من يصلح
أن يخاطب لقوله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) الآية.
قوله: (أي لن يضروا أولياء الله شيئاً بمسارعتهم في الكفر، وإنما يضرون بها أنفسهم)
لأن وبال الكفر راجع إليهم ومعاقبون به .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: يقعون فيه سريعًا. كأن سائلًا يقول فعل المسارعة يعدى بكلمة إلَى يقال سارع إليه ولا
يقال سارع فيه فَكَيْفَ قيل هنا (يسارعون في الكفر) ؟ فأجاب بأنه ضمن المسارعة معنى الوقوع. أقول:
فلعل سبب العدول عن الأصل الإشعار بأن الكفر أحاط بهم إحاطة الظَّرْف بمظروفه .
قوله: والْمَعْنَى لا يحزنك خوف أن يضروك يعني ليس الْمُرَاد نهيا عن الحزن المطلق ولكن
عن الحزن الخاص وهو الحزن لخوف المضرة فإن المسارع في الكفر إنما يسارع في الكفر لرغم
الْمُؤْمنينَ وإيصال الضرر إليهم يدل عليه التعليل بالاسْتئْنَاف الوارد بعد وهو قوله: (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً) .