الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو ولا عن جهل. قدم هذا الاحتمال لأن فيه المُبَالَغَة
في بيان سوء حالهم وشدة شكيمتهم ؛ إذ الجاهل قد يعذر .
قوله: (أو أنتم علماء) أي الْفعْل منزل منزلة اللازم وليس تعديته إلَى الْمَفْعُول بمقصود .
قوله: (تميزون) بالخطاب إن اعتبر الخبر الثاني أو بالغيبة إن جعل صفة للعلماء .
قوله: (الحسن من القبيح) الحسن صفة مشبهة الْمُرَاد من الحسن والقبح ما علما
بالعقل وهو كون الشيء عَلَى صفة كمال أو عَلَى نقصان أو ملائمته للطبع ومنافرته لأن
الْمُصَنّف لا قائل بالحسن والقبح العقليين بمعنى المدح والذم عاجلًا والثواب والعقاب آجلًا
ثم هذا القيد لبيان أن الخيانة في غاية من القبح فلا مفهوم عند القائل به فضلًا عن نافيه .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(28)
قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) قدم الأموال ؛ إذ كونها فتنة عام لمن
كان له ولد أو لم يكن بخلاف الثاني أو المال شقيق الروح فالعلاقة بها أشد، وإنما وحَّد
الفتنة لأنها مصدر في الأصل .
قوله: (لأنهم) أي الأموال والأولاد ففيه تَغْليب .
قوله: (سبب الوقوع في الإثم والعقاب) فإطلاق الفتنة عليهم مَجَاز مُرْسَل بعلاقة
السببية ؛ إذ الفتنة إما الإثم والعقاب فلا جرم في سببيتهم لهما، ثم الظَّاهر أو العقاب بأو
الفاصلة ؛ إذ إرادتهما معًا في إطلاق واحد إما غير حسن أو غير صحيح .
قوله: (أو محنة من الله تَعَالَى) كما أشار إليه بقوله أو عطف عَلَى ما قبله معنى ؛ إذ
التقدير سبب فتنة لأنهم سبب الوقوع الخ.
قوله: (ليبلوكم فيهم) أي ليعاملكم معاملة المختبرين كَيْفَ يحافظون عَلَى حدود الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
القبيح أن الحسن والقبيح. تقدير الْمَفْعُول المعنوي لا بل هُوَ الْمَعْنَى الالتزامي للعلم فإن من يتصف
بالعلم يلزمه أن يكون أهل التمييز فذلك مقدر بطَريق الالتزام لا أنه مُسْتَفَاد من حاق اللَّفْظ فكأنه
قيل إذا كنتم علماء من أهل المعرفة والتمييز فلم تباشرونه .
قوله: لأنهما سبب الوقوع في الإثم والعقاب، أو محنة من اللَّه. الوجه الأول بني عَلَى أن لفظ
الفتنة مجاز مرسل في الإثم والعقاب تسمية للمسبب باسم السبب، والثاني عَلَى الْحَقيقَة فإن حَقيقَة
الفتنة الابتلاء والامتحان، لكن لفظ الابتلاء أَيْضًا مجاز في شأن الله تَعَالَى لأن علام الغيوب لا
يحتاج إلَى الامتحان والاختبار شبه بالاختبار بناء أمرهم عَلَى الاختيار فيكون الوجه الأول تجوزًا
من الْمَجَاز والثاني مَجَازًا في المرتبة الأولى فهذه الآية مثل قَوْلُه تَعَالَى(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ)فإن قوله عز وجل .(أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ
وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)بمنزلة قوله: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .
وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) كقوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) .