قوله:(ويؤيده ما روي أنهم يقولون: تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم،
فيقولون تعالوا نصبر فيصبرون كذلك ثم يقولون سَواءٌ عَلَيْنا)تعالوا أمر من التعالي وأصله
أن يقوله من كان في علو لمن كان في سفل فاتسع فيه بالتعميم. نجزع بالرفع أو الجزم فيه
تنبيه عَلَى وجه تقديم أجزعنا عَلَى أم صبرنا ثم يقولون أي الكبراء والضعفاء جَميعًا سواء
ولا يخفى أن قوله فقال الضعفاء بالفاء التعقيب لا يلائمه هذه الرّوَايَة ظاهرًا فيحتاج في
دفعه إلَى الفكر ثاقبًا .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ
فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا
بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (22)
قوله: (وقال الشَّيْطَان) شروع في بيان المحاورة التي بين الكفرة وبين إبليس
رئيس الشَّيَاطين إثر بيان المناظرة بين الأتباع والرؤساء .
قوله: (أحكم وفرغ منه) أي القضاء إتمام الشيء فعلًا وهو الْمُرَاد هنا وإتمامه أحكامه
وهو متحقق بالفراغ منه ولهذا عطف عَلَى الأحكام الفراغ عطف العلة عَلَى المعلول، والْمُرَاد
بالأمر هُوَ الحساب .
قوله: (ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النَّار النَّار) واكتفى الْمُصَنّف بالأخير لأنه يستلزم
الأول .
قوله: (خطيبًا في الأشقياء من الثقلين) حال من الشَّيْطَان الذي ذكر في النظم الجليل وهو
مزج غريب غير مرغوب، فالأولى كما في الكَشَّاف يقوم عند ذلك خطيبًا. قال الإمام: يقول
الكافرون [حِينَئِذٍ] وجد الْمُسْلمُونَ من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هُوَ إلَّا إبْليسَ الذي أضلنا فيأتونه
ويسألونه فعند ذلك يقول هذا الْقَوْل خطيبًا أي ناصحًا مشابهًا حاله بمن هُوَ خطيب وناصح .
قوله: (وعدًا من حقه أن ينجز أو وعدًا أنجزه وهو الوعد بالبعث والْجَزَاء) إشَارَة إلَى
أنه من إضافة الْمَوْصُوف إلَى الصّفَة واتصافه بالحق وقت وقوعه قبل إنجازه بمعنى أنه من
شأنه أن ينجز فيكون مَجَازًا أوليًا قدمه وإن كان مَجَازًا لملائمته. قوله: وعدكم أي وعدكم
على لسان الْأَنْبيَاء حال كونكم في دار التكليف فوفى وأنجز اليوم ولطافة هذا الْمَعْنَى لا
يخفى عَلَى ذوي النهى، وأما قوله أو وعدا أنجزه فبناء عَلَى أن الوعد متصف بالحق عند
إنجازه حَقيقَة. والْمَعْنَى [حِينَئِذٍ] إنَّ اللَّهَ وعدكم في الدُّنْيَا وأنجزه اليوم وهذا معنى وعد الحق ولا
يخفى ما فيه من الركاكة كما لا يخفى عَلَى أهل الدراية. وعن هذا اكتفى الزَّمَخْشَريّ بالْمَعْنَى
الأول حيث قال (إنَّ اللَّهَ وعدكم وعد الحق) فوفى لكم بما وعدكم. قيل عَلَى الثاني في
مقابله قوله (فَأَخْلَفْتُكُمْ) وعلى الأول فمقابله مَحْذُوف بقرينة الْكَلَام الثاني أي فوفى وأنجز
كما أن مقابل وعد الحق مَحْذُوف عَلَى الثاني بقرينة الأول انتهى. وفي قوله كما أن مقابل
وعد الحق بحث لا يخفى .