قَوْلُه تَعَالَى: (ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60)
قوله: (الأمر ذلك) أي ذلك خبر لمَحْذُوف ويسمى فصل الخطاب وقد مَرَّ تَوضيحُهُ .
قوله:(ولم يزد في الاقتصاص، وإنما سمي الإِبتداء بالعقاب الذي هو الجزاء للازدواج
أو لأنه سببه)ولم يزد في الاقتصاص كما أمر به في قَوْله تَعَالَى:(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل
ما عوقبتم به)والباء في بمثل للآلة وفي به للسببية ومن شرطية ويحتمل أن
تكون موصولة. قوله للازدواج أي للمشاكلة فيكون مَجَازًا بعلاقة المشاكلة. قوله أو لأنه سببه
فيكون مَجَازًا بعلاقة السببية والأَوْلَى الاكتفاء به لأن المشاكلة إنما تكون علاقة للمجاز
إذا لم يكن علاقة غيرها .
قوله: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ بالمعاودة إلى العقوبة) الظَّاهر أن (ثُمَّ) للتراخي الرتبي وإن تحقق
في بعض الأوقات التراخي في الزمان .
قوله: (لينصرنه الله لا محالة) جواب القسم الْمَحْذُوف مثل قَوْلُه تَعَالَى: (ليرزقنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وإنما سمي الابتداء بالعقاب الذي هُوَ الْجَزَاء للازدواج. أي سمي الْفعْل المبتدأ
الذي هُوَ العناية بالعقاب الذي هُوَ جزاء الجناية حيث قال بمثل ما عوقب به مكان أن يقال
بمثل ما جنى عليه والعقاب لكونه من التعقب المنبئ عن التأخّر لا يناسب أن يسمى به الْفعْل
المبتدأ والذي يحق أن يسمى به هُوَ جزاء الجناية لأنه يعقبها مجازاة لها فجوز تسميته به
الازدواج والمشاكلة أي وقوعه في صحبة العقاب في الذكر حَيْثُ قيل ومن عاقب فهو مثل
(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ) فإن جزاء السيئة ليست بسيئة بل هُوَ حسنة فسمي بها
للازدواج ومثل دناهم كما دانوا وكما تدين تدان [وصبغة] الله واطبخوا في قوله:
قالوا اقْتَرِحْ [شيئاً] نُجِدْ لك طَبْخَهُ ... قلت اطْبُخُوا لي جُبَّةً وقميصا
ويسمى مثل هذا في علم البديع صنعة المشاكلة. قال الزجاج: الأول لم يكن عقوبة، وإنَّمَا
العقوبة الْجَزَاء ولكنه سمي عقوبة لأن الْفعْل الذي هُوَ عقوبة كان جزاء فسمي الأول الذي جوزي
بمقابلته عقوبة لاستواء الفعلين في كونهما من جنس المكروه كقَوْله تَعَالَى:(وجزاء سيئة سيئة
مثلها)فالأول سيئة والمجازاة عليها حسنة إلا أنها سميت سيئة لأنها وقعت إساءة
بالْمَفْعُول به لأنه فعل به. أقول: والذي اعتبره الزجاج في تسمية الْفعْل المبتدأ بالعقاب وفي تسمية
جزاء السيئة بالسيئة مبنى عَلَى الاسْتعَارَة المصرحة التي مبناها عَلَى التشبيه وهو مما يحسن الْكَلَام
حسنًا ذاتيًا، وأما ما اعتبره غيره فجار عَلَى طريق المشاكلة الذي يورث الْكَلَام حسنًا عرضيًا .
قوله: أو لأنه سببه. يعني أو لأن الْفعْل المبتدأ سبب العقاب فيكون مَجَازًا مرسلًا من باب
تسمية السبب باسم المسبب .
قوله: ولم يزد في الاقتصاص. بيان لمعنى المماثلة في العقوبة .