قَوْلُه تَعَالَى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)
قوله: (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني. الخطاب سيجيء تفصيله، والتَّعْبير بالموصول لكمال
التقبيح لحاله بمضمون صلة لا قبح فوقها، والتَّعْبير بالْمُضَارِع لاسْتحْضَار الصورة البديعة
الدَّالَّة عَلَى شدة شكيمة الناهي.
قَوْلُه تَعَالَى: (عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)
قوله: (نزلت في أبي جهل) نزلت أي هذه الآية. في أبي جهل. وفي الكَشَّاف: وقيل
نزلت أي آية: (كلا إن الْإنْسَان ليطغى) وكَذَلكَ (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9) عَبْدًا)
ولم يتعرض المص الأول لعدم رضائه به؛ إذ الظَّاهر العموم في(كلا إن
الْإنْسَان ليطغى)وإن أمكن الْجَوَاب بأن سبب النزول خصوصه لا ينافي عموم
الحكم. نقل عن ابن عطية أنه قال: لم يختلف المفسرون في أن الناهي أبو جهل والعبد
المصلي هُوَ النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ولذا قال المص نزلت في أبي جهل الخ. ولم يقل قيل نزلت
في أبي جهل. فإذا وقع الْإجْمَاع من الْمُفَسّرينَ عَلَى ذلك فما حكم من ينكر ذلك هل
يكفر أم لا؟ نظيره قَوْلُه تَعَالَى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) قيل
أجمع المفسرون عَلَى أن الْمُرَاد بصاحبه أبو بكر - رضي الله تَعَالَى عنه - ولذا حكم بكفر من
أنكر صحابية أبي بكر - رضي الله تَعَالَى عنه - عَلَى الأصح.
قوله: (قال لو رأيت مُحَمَّدًا ساجدًا لوطئت عنقه) ساجدًا أي مصليًا لقَوْله تَعَالَى:
(إذا صلى) والتَّعْبير بـ ساجدًا لأن [وطء] عنقه إنما كان وقت السجود وهذا علة
مرجحة والعلة المصححة هي كون السجود جزء من الصلاة.
قوله: (فجاءه ثم نكص عَلَى عَقبَيْه) فجاءه الفاء فصحيحة أي رآه عَلَيْهِ السَّلَامُ ساجدًا
فأراد وطء عنقه فجاءه أي فذهب إلَى جانبه ثم نكص أي رجع عَلَى عَقبَيْه خاسرًا خائبًا
فعلم أن المجيئة لم تتحقق بل تحقق قصدها فخاب ورجع خاسئاً وهو ذميم.
قوله: (فقيل له ما لك) أي أيُّ شيء حصل لك حيث رجعت كالكلب المطرود.
قوله: (فقال إن بيني وبينه لخندفًا من نار وهولًا وأجنحة فنزلت) أجنحة أي ذواتًا
ذوي أجنحة. وفي الكشف: لم يميز كونها ملائكة أم لا. فقوله أولًا أراد ملائكة ذوي أجنحة
أي أراد ذواتًا ذوي أجنحة وهم ملائكة في نفس الأمر لكنه لم يميزها ولم يقدر تمييزها فلا
تدافع بين أول كلامه وبين آخره.
قوله: (ولفظ العبد وتنكيره للمُبَالَغَة في تقبيح النهي) إذ العبد شأنه إطاعة مولاه بأنواع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولفظ العبد وتنكيره للمُبَالَغَة في تقبيح النهي والدلالة عَلَى كمال عبوديته المنتهى فيه