قوله: (من أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها) بيان الوَجْهَيْن الأخيرين.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ(74)
قوله: (فأحدث التسبيح بذكر اسمه) أي سبح هنا نزل منزلة اللازم. قوله بذكر اسمه
الباء للسببية والآلة والاسم ليس بمقحم؛ إذ قد مَرَّ أنه كما يجب تنزيه ذاته عن جميع
النقائص يجب تنزيه اسمه عن الرفث وسوء الأدب.
قوله: (أو بذكره) عَلَى أن الاسم مقحم. قيل وهو إما بتقدير مضاف وهو لفظ الذكر
أو الاسم مجاز عن الذكر. والْمَعْنَى نزهه إما بواسطة ذكر اسمه أو بواسطة ذكره انتهى. ولا
حاجة إلَى هذا التمحل؛ لأن التنزيه بواسطة اسمه معناه بواسطة ذكره اسمه وكذا بواسطته
معناه بواسطة ذكره والتنزيه بواسطة ذكر اسمه تنزيه اسمه أَيْضًا وهذا في الثاني ظَاهر.
قوله: (فإن إطلاق اسم الشيء ذكره) بيان لوجه ما ذكرناه من أن التنزيه بواسطة اسمه
معناه بواسطة ذكره. وقيل بيان لعلاقة السببية بين الاسم والذكر المصححة للمجاز.
قوله: (والعظيم صفة للاسم أو الرب) صفة للاسم أي عَلَى الأول لأن الاسم عظيم
لدلالته عَلَى التعظيم كما قيل (له الأسماء الحسنى) فهو جاز مُتَعَارَف بالْحَقيقَة أو الرب أي
صفة للرب عَلَى الثاني.
قوله: (وتعقيب الأمر بالتسبيح لما عدد من بدائع صنعه وإنعامه) أشار به إلَى أن الفاء
للتعقيب مع السببية أي بعد ما عددت من النعم الجسيمة فداوم عَلَى التسبيح، والخطاب
للنبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أو لمن يصلح للخطاب.
قوله: (إما لتنزيهه تعالى عما يقول الجاحدون لوحدانيته الكافرون بنعمته) إما لتنزيهه
وهو الظاهر لكونه حَقيقَة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فأحدث الخ. قيل إنما قال أحدث بأنه صلى الله تَعَالَى عليه وسلم مشتغلًا بالتسبيح
غير معرض عنه، والْمُرَاد بالإحداث الاسْتمْرَار. قال الطيبي رحمه الله: هذا عكس ما يقتضيه لفظ
الإحداث ولكن الْمُرَاد إذا أحطت بما ذكر لك من بيان القدرة الكاملة وبما أنعم به عَلَى الخلق
فجدد التسبيح كَذَلكَ تنزيهًا لجلالة شأنه، وتعجبًا من كفران إنعامه أو شكرًا عَلَى إحسانه وبيانه أن
لفظ التسبيح من حيث وضعه بإزاء التنزيه عن النقائص وعما يصفه الجاهلون تنزيه، ولما كان ورود
هذا الْكَلَام في الرد عَلَى منكري الحشر والنشر ومنكره منكر لقدرته الكاملة وعلمه الشامل ومكذب
لما نص ووعد وأوعد عَلَى ما ورد في الْحَديث القدسي"كذبني ابن آدم"إلَى قَوْله"أن يعبدني كما"
يراني"كان تنزيهًا عَمَّا يقول الظالمون، ومن حيث المفهوم والاسْتعْمَال وأنهم يسبحون الله عند رؤية"
كل عن من صنائعه كان كلمة تعجب وما يتعجب في هذا المقام إما تقدير خلق الإنسان من ماء
مهين وإخراج الزرع من ماء المزن. وورى النَّار من الزند، وأما غمطهم هذه النعم الجسيمة والأيادي
الظَّاهرَة، ومن حيث النظر إلَى كونه ذكر الله عز وجل وصفًا له بالجلال والعظمة والملكوت بعد عد
النعم المتكاثرة كان حمدًا له وشكرًا لأياديه، والله أعلم.