لم ينتفع به لعدم انقيادهم فإنما أوتي من قبل نفسه حيث ضيع نصيبه من هذه النعمة
العظمى بل ازداد كفرهم وخسارتهم لفساد مزاجه وبطلان حواسه، وفي الكَشَّاف ومثاله أن
يفجر الله تَعَالَى عينًا غديقة فيسقي ناس زروعهم ومواشيهم بمائها فيفلحوا، ويبقى ناس
مفرطون عن السقي فيضيعوا انتهى. وفيه رمز خفي إلَى أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ كالأنهار وما جاء
به كالماء العذب الفرات إلَى آخر البيان.
قوله: (وقيل كونه رحمة للكفار أمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال)
فيكون رحمة لهم أَيْضًا بالْفعْل، مرضه لأن كونه رحمة بالنسبة إلَى إحياء الموتى بالإرشاد إلَى
طريق المولى، وَأَيْضًا كونه رحمة بالنسبة إلَى الموحدين لما بعث به كما عرفت وكونه رحمة
بالنسبة إلَى الْكُفَّار بالنسبة إلَى ذاته حِينَئِذٍ فإرادة المَعْنَيَيْن في إطلاق واحد مشكل ثم قوله
تَعَالَى: (وما أرسلناك) جملة ابتدائية سيقت لتقرير قَوْلُه تَعَالَى:(إِنَّ فِي
هَذَا لَبَلَاغًا)الخ لأنه بمنزلة التعليل له:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
لِلْعَالَمِينَ)لأن ما أخبرتهم فيه كفاية إلَى الوصول إلَى البغية البهية.
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(108)
قوله:(أي ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد، وذلك لأن المقصود الأصلي
من بعثته مقصور على التوحيد)أَشَارَ إلَى أن إنما يوحى متضمن معنى ما وإلا، ولذا يفيد
القصر لا مُطْلَقًا؛ إذ الوحي أكثر من أن يحصى بل بالنسبة إلَى المقصود، ولذا قال الْمُصَنّف
وذلك لأن المقصود الأصلي من بعثته مقصور عَلَى التوحيد إشارة إلَى ما ذكرناه وللاهتمام
بشأنه أمر رسوله بأن يقول لهم ذلك.
قوله: (فالأولى لقصر الحكم عَلَى الشيء) فالأولى أي كلمة إنما بكسر الهمزة لقصر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
فإنما أوتي من عند نفسه حيث ضيع نصيبه منها، ومثاله أن يفجر اللَّه عينًا غديقة فيسقي قوم زروعهم
ومواشيهم بمائها فيفلحوا ويبقى ناس مفرطون عن السقي فيضيعوا فالعين المفجرة في نفسها نعمة
من الله تَعَالَى ورحمة للفريقين ولكن الكسلان جعلها محنة عَلَى نفسه حيث حرمها ما ينفعها.
قوله: فالأولى لقصر الحكم عَلَى الشيء والثانية عَلَى العكس مثال قصر الشيء عَلَى الحكم
على الشيء إنما زيد قائم ومعناه ما زيد إلا قائم، وهو من تَخْصيص الْمَوْصُوف بالصّفَة أي ليس له
صفة إلا القيام ومثال قصر الشيء علم الحكم إنما يقوم زيد ومعناه ما يقوم إلا زيد، وهو من
تَخْصيص الصّفَة بالْمَوْصُوف. أي صفة القيام لا يتعدى زيدًا فمعنى كلمة إنما الأولى هَاهُنَا قصر حكم
الوحي عَلَى تفرد الإله بالوحدانية، فالْمَعْنَى ما يوحى إليَّ إلا انفراد إلهكم بالوحدانية لا شركته أي
أوحي إليَّ أنه واحد لا متعدد. فالمقصور هُوَ الوحي إلَى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - والمقصور عليه هُوَ تفرد الإله
بالوحدانية ومعنى إنما الثانية قصر الإله عَلَى حكم الوحدنية، فالْمَعْنَى ما إلهكم إلا واحد لا متعدد