مدار الإنكار أمن طائفة بعد مشاهدة ما أصاب أهل قرية أخرى قال بعض العظماء في قوله
تَعَالَى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) أي أهل القرى الْمَذْكُورة عَلَى وضع المظهر
مَوْضع المضمر للإيذان بأن مدار التوبيخ أن كل طائفة ما أتاهم من البأس لا أمن مجموع
الأمم فإن كل طائفة منهم أصابهم بأس خاص بهم لا يتعداهم إلَى غيرهم، ثم قال أبعد ذلك
الأخذ أمن أهل القرى انتهى. الظَّاهر أن الْمُرَاد بالأخذ الإهلاك بغتة فلا يعرف وجه كون
أهل القرى الْمَذْكُورة بعد كون الْمَعْنَى أبعد ذلك الأخذ وكون الْمُرَاد بالأخذ أخذهم بالبأساء
والضراء لا يلائمه عطف (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) عَلَى (أخذناهم بغتة) (الَّذينَ خسروا بالكفر وترك
النظر والاعتبار).
قَوْلُه تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ(100)
قوله: (أَوَلَمْ يَهْدِ) أي ألم يعرف ولم يهد.
قوله: (أي يخلفون من خلا قبلهم) أشار به إلَى أن يرثون مُسْتَعَار ليخلفون أي
يخلفون كخلافة الوارث والوراثة أقوى لفظ يجب حمل في التمليك من حيث إنها لا يعقب
بفسخ ولا استرجاع ولا تبطل بردٍّ وإسقاط.
قوله: (ويرثون ديارهم) أي الْمُرَاد بالْأَرْض ديارهم؛ إذ الْأَرْض من الجنس الذي يتشابه
أجزاؤه ويقع مجردًا عن التاء عَلَى القليل والكثير فاللام في الْأَرْض للعهد.
قوله: (وإنما عدى يهد باللام) قال المص في سورة الْفَاتحَة وأصله أن يعدى باللام أو
إلى فعومل معاملة اختار في قَوْله تَعَالَى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) انتهى.
فبين الْكَلَامين نوع تنافر.
قوله: (لأنه بمعنى يبين) وحِينَئِذٍ الْمَفْعُول مَحْذُوف أو لأنه نزل منزلة اللازم.
قوله: (أن الشأن لو نشاء أصبناهم) أي لفظة أن مخففة من أن المفتوحة فتعمل في
ضمير الشأن وجوبًا.
قوله: (بجزاء ذنوبهم) أي الْمُضَاف مَحْذُوف(كما أصبنا من قبلهم فهو فاعل يهد
ومن قرأه بالنون جعله مَفْعُولا).
قوله: (عطف على ما دل عليه، أو لم يهد أي يغفلون عن الهداية) والجامع عقلي؛ إذ
الغفلة سبب للطبع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وإنَّمَا عدى باللام يعني الْقيَاس أن لا يجاء باللام في مفعوله الأول لأن فعل الهداية
يعدى إلَى مَفْعُوله الأول بنفسه لكن خولف الْقيَاس هنا وجيء باللام لتضمين الهداية معنى التبيين
فكأنه قيل أَوَلَمْ [يتبين] للَّذينَ يرثون الْأَرْض والْمَفْعُول الثاني مَحْذُوف تقديره أَوَلَمْ يَهْدِ هذا الشأن
والَّذينَ يرثون الْأَرْض الطريق القويم.