قوله: أو لأنه جهاد مع كل كفرة بالمخالفة ولا شك في كونه كَبيرًا، وهذا أَيْضًا بيان أكبرية
الجهاد بالمخالفة وإبطال باطلهم لكن كونه عَلَيْهِ السَّلَامُ مجاهدًا مع الكفرة قاطبة بالمخالفة
محل تأمل. ولم يحمله عَلَى الجهاد بالسيف لأن السُّورَة مكية ولم يؤذن بالجهاد بالسيف
حِينَئِذٍ. قوله إلَى كافة القرى واسْتعْمَال كافة معرفة لكونه مجرورة لا حالًا قيل وقد منعه
بعضهم ولا وجه له.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا
وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53)
قوله: (خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان من مرج دابته إذا خلاها)
خلاهما بالتشديد متجاورين أَشَارَ إلَى أن المرج هنا ليس بمعنى الاختلاط التام بقرينة قوله:
(وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا) فلو اكتفى بالمجاورة ولم يذكر الملاصقة لكان
أولى. قوله بحَيْثُ لا يتمازجان إشَارَة إلَى ما ذكرنا، وإلى الفرق بين المرج والمزج فمعنى
خلاهما تركهما بحَيْثُ بَيْنَهُمَا خلاء. قوله مرج الدابة إذا أرسلها وتركها لترعى قال في سورة
الرحمن في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (مرج البحرين) أرسلهما من مرجت الدابة
إذا أرسلتها. والْمَعْنَى أرسل البحر الملح والبحر العذب يتجاوران ويتماس سطوحهما أو
بحري فارس والروم أشار أولًا إلَى أن الْمُرَاد بالبحرين الماءان الكثيران وسيجيء التَّفْصيل
والتخلية والإرسال متلازمان، والظَّاهر من كلامه أن الإرسال معنى حقيقي للمرج كما أن
الاختلاط معنى له ويحتمل أن يكون مَجَازًا.
قوله: (هذا عذب) حال بتقدير مقولًا فيه هذا عذب وهو صفة مشبهة بمعنى مَوْصُوف
بالعذوبة وتوصيفه بالفرات وهو شديد العذوبة للمبالغة فيه وبيان كمال قدرته ببيان أن
مجاورة الماء الملح لا يَبغي ولا يزيل عذوبته الشديدة فضلًا عن إزالة عذوبته رأسًا.
قوله: (قامع للعطش من فرط عذوبته) بيان لازم معناه وأن الْمُرَاد منه الفرات من فرته
وهو مقلوب رفته إذا كسره وسمي به الماء العذب لأنه يكسر سورة العطش وهو الْمُرَاد بالقمع.
قوله: (بليغ الملوحة، وقرئ «مَلِحٌ» على فَعِل ولعل أصله مالح فخفف كبرد في بارد)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وَقُرئَ «مَلِحٌ» عَلَى فعل بفتح الفاء وكسر العين أصله مالح فتخفف كبرد بفتح الباء
وكسر الراء في تخفيف بارد. قال ابن جني: وهي قراءة طلحة بن مصرف وأنكره أبو حاتم ويجوز أن
يراد به مالح فحذفت الألف تخفيفًا كما في قوله:
أَصْبَحَ قَلْبي صَرِدا ... لا يشتهي أن يردا