لكن قوله أرداكم محط الفَائدَة. لكن الأولى أن يكون ظنكم بدلًا بل الاكتفاء به أحْرى. وأُجيب
بأنه إن سلم الاتحاد فالحمل من قبيل: شعري شعري. وقيل الْمُرَاد منه التعجب والتهكم وقد يراد
من الخبر غير فَائدَة الخبر ولا لازمها والكل تكلف والوجه الأحسن ما ذكرناه أولًا.
قوله: (إذ صار ما منحوا للاستسعاد به في الدارين سببًا [لشقاء المنزلين] ) ما منحوا
أي أعطوا من العقل والحواس السليمة والأعضاء المستوية للاستسعاد أي لطلب وصول
السعادة في الدارين في الدُّنْيَا والْآخرَة لأن رأس مالهم كان الفطرة السليمة والعقل
الصرف فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استسعادهم واختل عقلهم ولم يبق لهم رأس
مال يتوسلون به إلَى درك الحق ونيل الْكَمَال فبقوا خاسرين خائبين هذا شقاوة في
الْآخرَة والشقاوة في الدُّنْيَا لكونها شقاوة مؤدية إلَى شقاوة الْآخرَة قَوْلُه تَعَالَى:
(فأصبحتم من الخاسرين) كناية عَمَّا ذكر وليس خصوص الوقت أي
الصباح بمقصود وقد أَشَارَ إلَى تحقيقه الْمُصَنّف في أواخر سورة والصافات وهذا أبلغ
من (فأصبحتم خاسرين) .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ(24)
قوله: (لا خلاص لهم عنها) لقيام الدليل عَلَى خلود الْكُفَّار ويفيده أَيْضًا التَّعْبير
بالمثوى. وحاصله فإن يصبروا عَلَى ظن أن الصبر ينفعهم لأنه مفتاح الفرج لا ينفعهم
صبرهم؛ إذ لم يصادف محله لما سمعته من الدليل عَلَى خلودهم فقوله: (فالنَّار مثوى)
علة الْجَزَاء الْمَحْذُوف أقيمت مقامه.
قوله: (يسألوا العتبى وهي الرجوع إلَى ما يحبون) أي السين للطلب. قوله وهي
الرجوع إلَى ما يحبون لأنها اسم من أعتبه إذا لم يعتب عليه كذا قيل.
قوله: (فما هم من المعتبين) جواب إن والْجُمْلَة اسمية للتأكيد والدوام وهذا أبلغ
من فما هم معتبون.
قوله: (المجابين إليها) أي إلَى العتبى وهي الرجوع. نقل عن الكرماني في شرح
البخاري في باب الاستحياء أنه قال: إن الاستفعال هنا لطلب المزيد والاستعتاب ليس لطلب
العتب. أي العتاب بل لطلب الإعتاب والهمزة فيه للسلب انتهى. ولذا قال الْمُصَنّف يسألوا
العتبى اسم مصدر وهو الإعتاب أي إزالة العتب أي العتاب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
كنتم تستترون النَّاس. بنصب النَّاس عَلَى أنه مَفْعُول له لـ تستترون عُدي فعل الاستتار إلَى
مَفْعُوله بنفسه والاسْتعْمَال عَلَى استتر فيه لا عَلَى استتره فترك من إما سهو منه رحمه الله أو
من النَّاسخين.