كنهه إلا اللَّه) كأنه لفخامته ولإبهامه خفي جنسه وماهيته حتى كان مما لا يوقف عَلَى
كنهه وحقيقته ولا يعلم ذلك إلا الله العلام الغيوب وإفادة ذلك في حمله عَلَى التعظيم
بعيد بمراحل .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمنَ النَّاس مَنْ يَقُولُ آمَنَّا باللَّه وَبالْيَوْم الْآخر وَمَا هُمْ بمُؤْمنينَ(8)
قوله: (لما افتتح سبحانه وتَعَالَى شرح حال الْكتَاب) الْمُرَاد بالْكتَاب الْقُرْآن بأسره
وأما إرادة السُّورَة منه بعيدة ؛ إذ المشروح بقَوْلُه تَعَالَى: (ذَلكَ الْكتَاب) الآية. الْقُرْآن عن
آخره ؛ إذ لم يعرف أن أحدًا ذهب إلَى أن الْمُرَاد به سورة البقرة والْقَوْل بأن الْمُرَاد بالْكتَاب
السُّورَة هنا وهناك الْقُرْآن ضعيف ؛ إذ قوله شرح حال الْكتَاب لا يلائمه ؛ إذ المشروح حاله
الْكتَاب بجميعه وإن كانت هذه السُّورَة مشروحًا حالها في ضمن شرح مجموع الْكتَاب وهذا
وجه الجواز فتح يكون الْمُرَاد بالافتتاح إضافيًا ؛ إذ سورة الْفَاتحَة هي ما بها الافتتاح حَقيقَة
وقيل إن كون سورة البقرة أوله وافتتاحه بناء عَلَى أن سورة الْفَاتحَة بمنزلة الخطبة والثناء
والدعاء يقدم عَلَى مقاصد الْكتَاب ولا [ضير] فيه انتهى. ولا يخفى ضعفه ؛ إذ سورة الْفَاتحَة
كما بينه المص هناك مشتملة عَلَى الحكم التظرية والأحكام العملية وغير ذلك فَكَيْفَ يقال
إنها بمنزلة الخطبة والنرح أصله لغة بسط اللحم ونحوه ومنه شرح الصدر أي بسطه بنور
إلهي وشرح الْكَلَام والْكتَاب إظهار ما يخفى من حاله ومعانيه، والْمُرَاد هنا إظهار حاله وهذا
الْمَعْنَى مجاز بعلاقة الانبساط حسي في المشبه به ومعقول في المشبه ثم صار حَقيقَة عرفية
(وساق لسانه) بيانه فاعل ساق وأصل السوق تسيير الدواب فتجوز به هنا عن اقتضاء ذكره
لأنه سوق معنوي وجه اقتضاء (ذكر الْمُؤْمنينَ) لأنهم المهتدون بهدايته والمنتفعون بأحكامه
لكن الأولى ذكر المتقين لأن الْمُرَاد، كَمَا صَرَّحَ به المشارفون للتقوى والْمُتَبَادَر من كلامه هنا
الْمُؤْمنُونَ بالْفعْل قوله (الَّذينَ أخلصوا دينهم للَّه تَعَالَى وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم) إشَارَة
إلى اتحاد الإيمان والدين وذكر الْإخْلَاص للإشَارَة إلَى المرتبة الوسطى من التَّقْوَى وقد
جوز فيما سبق احتمال الْمَعَاني الثلاثة لها وواطأت أي وافقت وطابقت كالبيان للإخلاص .
قوله: (وثنى بأضدادهم الَّذينَ محضوا الكفر) بقَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية.
هذا عَلَى تقدير أن يكون الْمُرَاد من الَّذينَ كَفَرُوا أناسًا بأعيانهم وهم الكفرة ظاهرًا وباطنًا
ظاهر، وأما عَلَى تقدير أن يكون الْمُرَاد الجنس فكون الْمُرَاد به الكفرة مع شموله الْمُنَافقينَ
بناء عَلَى قاعدة إذا قوبل العام بالخاص يراد به ما وراء الخاص فلا حاجة إلَى الْجَوَاب بأنه
والكافر في عرف الشرع والعرف العام إنما يقال لمن أظهر جحده وإنكاره سواء كان عن
صميم اعتقاد أو عتو وعناد كما أن الْمُؤْمن من وافق ظاهره باطنه في التصديق، وأما إطلاقه