تكليف شاق فأشعر بكمال السخط ليحذروا من تركه لكن الأولى جعله علة لتأكيد الأمر
بالحج بوجوه كثيرة مذكورة لأن التكليف الذي هذا شأنه يَنْبَغي أن يؤكد بمؤكدات كثيرة
حتى يحترزوا عن تركه، والْمُرَاد بالتكليف المكلف به والمأمورية .
قوله: (روي(أنه لما نزل صدر الآية جمع رسول صلّى الله عليه وسلّم أرباب الملل[فخطبهم وقال إن الله تعالى: كتب
عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وكفرت به خمس ملل]) تمامة فقَالُوا لا نؤمن به ولا
نصلي إليه ولا نحجه كما في الكَشَّاف، وهم الْيَهُود والصابئون والنصارى والمجوس والَّذينَ
أشركوا وتردد في كون المشركين من أهل الملة النحرير التفتازاني، والْمُرَاد بهم عبدة الأوثان
وهم عَلَى دين إبْرَاهيم لكنهم ضيعوه فهم سبب اعتبار الأصل من أهل الملة وإلا فهو تَغْليب أخرج
هذا الْحَديث ابن جرير عن الضحاك. قيل وفيه أن تلك الملل كانت موجودة في جزيرة العرب
فلينظر انتهى. ثم قَوْلُه تَعَالَى: (وللهِ عَلَى النَّاس) إما خبران لحج البيت أو
الأول خبر والثاني حال أو العكس أو الأول خبر والثاني متعلق به أو العكس .
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ(98)
قوله: (فنزلت ومن كفر) فـ [حِينَئِذٍ] ومن كفر محمول عَلَى ظاهره وغير موضوع مَوْضع لم
يحج، ولا يحصل به تأكيد أمر الحج بالْوُجُوه الْمَذْكُورة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
لِأَنَّ الْآتِيَ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَتَى بِهِ لَمَّا عَرَفَ بِعَقْلِهِ مِنْ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ فِيهِ، أَمَّا الْآتِي بِالنَّوْعِ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا لِمُجَرَّدِ الِانْقِيَادِ وَالطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، فَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى اشْتَمَلَ الْأَمْرُ بِالْحَجِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّوْكِيدِ].
قوله: وكفرت به خمس ملل هم الْمَذْكُورون بعد الْمُؤْمنينَ في قَوْله تَعَالَى:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
والَّذينَ هادوا والصابئين)والنصارى والمجوس والَّذينَ أشركوا وعد المشركون من
أهل الملل تَغْليبًا وإلا فهم من أهل النحل. وفي الكَشَّاف وروي أنه لما نزل قوله:(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
حِجُّ الْبَيْتِ)جمع رسول الله أهل الأديان كلهم فخطبهم الخ. قيل قوله هذا دليل
على أن الْكُفَّار مخاطبون بفروع الشرائع. وأُجيب عنه بأن الْمُرَاد الإيمان به بدليل قوله فآمنت به ملة
واحدة وكفرت به خمس ملل. أقول: يرد هذا الْجَوَاب قوله فحجوا فإنه أمر لهم بالحج، والحج من
الفروع كالصوم والصلاة ولو كان الْمُرَاد الإيمان به لكان الظَّاهر أن يقال بدل فحجوا فآمنوا به .