المفتاح أن البدل لزيادة التقرير والإيضاح وتسمية ترك الحج كفرًا الخ. أي يشبه ذلك الترك
بكفر من حَيْثُ إنه فعل الْكُفَّار ففي (من كفر) اسْتعَارَة تبعية .
قوله: (وذكر الاستغناء فإنه في هذا المَوْضع مما يدل عَلَى المقت والخذلان، وقوله(عن
الْعَالَمينَ)بدل عنه لما فيه من مُبَالَغَة التعميم والدلالة عَلَى الاستغناء عنه بالبرهان والإشعار
بعظم السخط) الغنى المستعمل بـ (عن) بمعنى الاستغناء فإنه هذا المَوْضع أي مَوْضع عدم امتثال
أمره فالمثل مَحْذُوف أي في مثل هذا الموضع، وأما في مَوْضع آخر فقد يكون للتحريض عَلَى
التوكل والاعتماد عَلَى ما عنده وغير ذلك مما يدل عَلَى المقت. أي فرط الغضب أي أنه
كناية عن السخط وكمال الغضب. قوله من مُبَالَغَة التعميم بناء عَلَى أن اللام للاسْتغْرَاق لا
للعهد كما يوهمه قوله بدل عنه فيَشْمَل جميع ما سوى الله تَعَالَى فيدخل الْإنْسَان دخولًا أوليًّا
ولذا قال والدلالة عَلَى الاستغناء عنه بالبرهان ؛ إذ يستفاد منه أنه تَعَالَى مستغن عن جميع العالم
وكل من هذا شأنه فهو مستغن عن الْإنْسَان فالْعَالَمينَ هنا لم يوضع مَوْضع المضمر وأن فيه
تَغْليب العقلاء عَلَى غيرهم، والْمُرَاد بالْإنْسَان من لم يحج مع التمكن منه.
قوله:(لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس وإتعاب البدن وصرف المال والتجرد
عن الشهوات والإقبال عَلَى الله)ظاهره علة لعظم السخط أي إنما أشعر بعظم السخط لأنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وذكر الاستغناء فإنه في هذا المَوْضع يدل عَلَى المقت والخذلان. وقوله (عن الْعَالَمينَ)
يدل عليه الخ. قال بعضهم إنما قال عن العالمين ولم يقل عنه واضعًا للمظهر مَوْضع المضمر
لوَجْهَيْن: أحدهما الدلالة عَلَى الاستغناء عنه بالبرهان فإن الاستغناء عن الْعَالَمينَ بإلزم الاستغناء
عنه. وثانيهما أن قوله عن الْعَالَمينَ يدل عَلَى كمال الاستغناء وهو يدل عَلَى كمال السخط كما أن
الاستغناء يدل عَلَى السخط؛ فأصل الْكَلَام (ومن كفر) فإنَّ اللَّهَ ساخط عليه ثم فإن اللَّه غني عنه ثم(فإن
الله غني عن الْعَالَمينَ)فالاستغناء عن الْعَالَمينَ كناية إيمائية عن الاستغناء عنه والاستغناء عنه كناية
إيمانية أَيْضًا عن السخط عليه يكون الاستغناء (عن العالمين) وهو كمال الاستغناء كناية رمزية عن
كمال السخط عليه مرتبة عَلَى الكنايتين، وإنما قال في هذا المَوْضع يدل عَلَى المقت لأن ذكر
الاستغناء لا يدل عَلَى المقت مُطْلَقًا ولكن هَاهُنَا لترتبه عَلَى (من كفر) دل عليه فهو إنما دل عليه من
خصوص المقام.
قوله: لأنه تكليف شاق تعليل لقوله وقد أكد أمر الحج. قال الإمام: [اعْلَمْ أَنَّ تَكْلِيفَ الشَّرْعِ فِي الْعِبَادَاتِ قِسْمَانِ، مِنْهَا مَا يَكُونُ أَصْلُهُ مَعْقُولًا إِلَّا أَنَّ تَفَاصِيلَهُ لَا تَكُونُ مَعْقُولَةً مِثْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّ أَصْلَهَا مَعْقُولٌ وَهُوَ تَعْظِيمُ اللَّهِ أَمَّا كَيْفِيَّةُ الصَّلَاةِ فَغَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وَكَذَا الزَّكَاةُ أَصْلُهَا دَفْعُ حَاجَةِ الْفَقِيرِ وَكَيْفِيَّتُهَا غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وَالصَّوْمُ أَصْلُهُ مَعْقُولٌ، وَهُوَ قَهْرُ النَّفْسِ وَكَيْفِيَّتُهُ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، أَمَّا الْحَجُّ فَهُوَ سَفَرٌ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ عَلَى كَيْفِيَّاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فَالْحِكْمَةُ فِي كَيْفِيَّاتِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ وَأَصْلُهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَالَ الْمُحَقِّقُونَ إِنَّ الْإِتْيَانَ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْعِبَادَةِ أَدَلُّ عَلَى كَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ وَالْخُضُوعِ وَالِانْقِيَادِ مِنَ الْإِتْيَانِ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ