قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ(113)
قوله: (يعني محمدًا - صلى الله عليه وسلم - والضَّمير لأهل مكة عاد إلَى ذكرهم بعد ما ذكر مثلهم) عاد
إلى ذكرهم أي أهل مكة بعد ما ذكر مثلهم وهذا إشَارَة إلَى أن الْمُخْتَار قرية مفروضة ضرب
الله بها المثل فإنها ذكرت تمثيلًا لهم بما يشبه حالهم ثم انتقل من التمثيل لهم إلَى التصريح
بحالهم الداخلة في التمثيل كذا قيل. وقول الْمُصَنّف بعد ما ذكر مثلهم ظَاهر في عدم
دخولهم في قوله آنفًا أي جعلها مثلًا لكل قوم أنعم الله عليهم ودخول حالهم في التمثيل
بدخول أنفسهم في كل قوم فتأمل.
قوله: (أي حال التباسهم بالظلم) أي الترك فالْجُمْلَة حال مؤكدة أو دائمة أوله
بالالتباس أي عادتهم الظلم لأن كونهم ظالمين منفهم مما سبق.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بعد ما ذكر مثلهم أي مثل أهل القرية التي ضربت مثلًا بقوله عز وجل:(وضرب الله
مثلًا قرية)الآية. الْمُرَاد بالقرية مكة شرفها الله والآية مسوقة لبيان حال قريش
المتمكنين فيها. وفي الكَشَّاف لما وعظهم بما ذكر من حال القرية وما أوتيت به من كفرها وسوء
صنيعها وصل بذلك الفاء في قوله (فكلوا) صدهم عن أفعال الجاهلية ومذاهبهم الفاسدة التي كانوا
عليها بأن أمرهم بأكل ما رزقهم الله من الحلال الطيب وشكر أنعامه بذلك، والْمُرَاد بإيراد هذا
الْكَلَام بيان لربط الآيات وأن بعضها ليس بأجنبي عن بعض من لدن مفتتح السُّورَة فإن هذه السُّورَة
في بيان سوء أفعال قريش وقبائحهم وفي تذكار ما خول الله لهم من أنواع النعم وفي إنذارهم بنقم
الله وما حل بمن سبق من الأمم الْمَاضية، ولما عد عليهم النعم المتكاثرة من الأنعام وفوائدها
وثمرات النخيل والأعناب ومنافع ما يصل إليهم منها وأنذرهم بأنواع من النذر ثم بغى عليهم ما
كانوا يفترون عَلَى الله من اتخاذ البنات وقال(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ
لَهُمُ الْحُسْنَى)وأراد أن يذكر نوعًا آخر من أفعالهم وهو تعليلهم بأهوائهم ما حرم الله من أكل الميتة
والدم ولحم الخنزير وتحريمهم ما أحل الله من البحائر والسوائب [والوصائل] والحام وقولهم(مَا فِي
بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا)عقب ذلك بضرب المثل بقوله:(ضرب
الله مثلًا قرية)الآية. ليكون كالتخلص إلَى قَوْله (فكلوا) فيردف
لقوله: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) ويدل عليه
تكرير قوله (تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ) فظهر من هذا التقرير أن المأمور به بقوله: (فكلوا)
الآية. ما عدد الله تَعَالَى من أول السُّورَة من المأكول والمشروب أما المأكول فمن الآيات
الدَّالَّة عليه قوله (والأنعام خلقها لكم فيها دفء) إلَى قَوْله: (ومنها تأكلون)
ومنها قوله: (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)
ومنها قوله: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) وأما
المئروب فمنها قوله: (أنزل منَ السَّمَاء ماء لكم منه شراب) ومنها قوله:(وَإِنَّ
لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ)ومنها (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ