ولا يتعدى بـ إلى فلفظ إلَى هنا إما لانتهاء الرغبة وهو قريب من التَّضْمين أَيْضًا كما قيل. لكن
الانتهاء معنوي أي إنا راغبون راجعين إلَى ربنا أو بالعكس.
قَوْلُه تَعَالَى: (كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(33)
(مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة العذاب في الدُّنْيَا أعظم منه) .
قوله: (لاحترزوا عَمَّا يؤديهم إلَى العذاب) أي لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. كناية عن الاحتراز
الخ. أو جوابه الْمَحْذُوف.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ(34)
قوله: (أي في الْآخرَة) فالْمُرَاد العندية المكانة لا المكاني ففيه اسْتعَارَة تمثيلية شبه
حال الثواب والتنعم بالجنات وهي اخْتصَاصه به تَعَالَى بحَيْثُ لا يقدر عليه غيره تَعَالَى بحال
شيء يكون بحضرة ملك لا يد لغيره فاستعمل ما هُوَ الموضوع للمشبه به في المشبه.
قوله: (أو في جوار القدس) وهو أظهر في الاسْتعَارَة التمثيلية الْمُرَاد بها الجوار
المعنوي فإضافتها إلَى القدس من قبيل إضافة الْمَوْصُوف إلَى الصّفَة وهي المقامات العالية.
قوله: (جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص) القصر مُسْتَفَاد من الْإضَافَة اللامية
الاخْتصَاصية فإنها عند بعضهم تفيد الحصر في الثبوت وعند البعض تفيد الحصر في الْإثْبَات لا
في الثبوت، والقصر المصطلح هُوَ الاخْتصَاص في الثبوت، فالأَولى أنه منفهم من الفحوى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
تَعَالَى قَالَ [ (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ(14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)] أي كفر
ذلك الحلَّاف بآيات الله وجحد الحق جل أن الله تَعَالَى أعطاه المال والبنين واغتر بذلك ولم يعلم
أن ذلك استدراج وابتلاء من الله تَعَالَى فإذا صرف تلك المكنة إلَى الكفر دمر الله عليه كما أن
أصحاب الجنة لما أتوا قدرًا يسيرًا من المعصية دمر الله عَلَى جنتهم فإذا كان حالًا من فعل هذا
القدر من العصيان ذلك فَكَيْفَ حال من عائد الرَّسُول صلى الله تَعَالَى عليه وسلم وأصر عَلَى الكفر
والمعصية فكذا أهل مكة لما خرجوا إلَى بدر وأرادوا الكيد بمُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأفسدوا عاقبهم
الله في الدنيا بالقتل والأسر، ولما خوف الله تَعَالَى الْكُفَّار قال مستأنفًا(وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ)قال بعضهم: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) في محل النصب أي
ولعذاب الْآخرَة أكبر مجهولًا عندهم.
قوله: لاحترزوا تقدير لجزاء الشرط
قوله: جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص. أي لا يشوبه ما يكدره كما يشوب جنات الدُّنْيَا
معنى التَّخْصِيص والخلوص مُسْتَفَاد من دلالة المقام التعريضي ومن مجيء هذه الآية عقيب ذكر
قصة الجنة المنغضة لعيش أصحابها وعقيب ذكر أحوال قريش واردًا فيها بقوله:(أَفَنَجْعَلُ
الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ)ومن إضافة نجات إلَى النعيم فإنه إذا قيل: دار السلام ودار
الكرامة يفهم منه عرفًا أن ليس فيها ما ينافي السلامة والكرامة بل فيها السلامة الخالصة والكرامة
الصافية لا غير، أَلَا [تَرَى] إذا بنيت دار ليخزن فيها أنواع الحبوب من البر والشعير وغيرهما لا يقال
لها دار البر، وإنَّمَا يقال ذلك إذا بنيت للبر فقط.