قوله: (بالبؤس والضر) أَشَارَ إلَى أنهما اسمان لا صفتان كحمراء الْمُرَاد بالبؤس الفقر
والضر المرض. وقيل بالعكس. والْمَعْنَى (وما أرسلنا في قرية) من القرى المهلكة (من نبي) أي
نبيًا من الْأَنْبيَاء في حال من الأحوال (إلا أخذنا أهلها) أي حال كوننا آخذين أهلها بسَبَب
كفرهم بأنواع المحن والمصائب.
قوله: (كي يتضرعوا) يعني لعل هنا بمعنى كي؛ إذ لا يسوغ الترجي هنا.
قوله: (ويتذللوا) عطف تفسير أي ويتذللوا حتى ينقادوا [لنبيهم] وفيه تنبيه عَلَى أن
الأخذ الْمَذْكُور لم يكن في ابتداء الإرسال بل بعد التَّنْبيه والإيقاط بالشدائد والإمهال.
قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ(95)
قوله: (ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) عطف عَلَى (أخذنا) حال أَيْضًا بتقدير قد.
قوله: (أي أعطيناهم) لازم معنى بدلنا، وإنما حمله عليه مع أنه مجاز لأن معنى
التبديل لا يلائمه مكان السيئة؛ إذ التبديل يقع عَلَى السيئة دون مكانها.
قوله: (بدل ما كانوا فيه) إشَارَة إلَى أن المكان هَاهُنَا بمعنى البدل فهو مكان ومحل معنوي.
قوله: (من البلاء) تفسير السيئة لأنها كما تجيء بمعنى العصيان تجيء بمعنى البلاء والشدة.
قوله: (والشدة السلامة والسعة) السلامة تفسير للحسنة أَيْضًا فإنها كما تجيء بمعنى
الطاعة تجيء بمعنى السلامة والعافية كقَوْله تَعَالَى: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) .
قوله: (ابتلاء لهم بالأمرين) أي بالمحنة تارة وبالمنحة أخرى.
قوله: (كثروا عَدَدًا وعُدَدًا) بضم العين ما يهيأ لحوادث الدهر من الأموال والأسلحة
فحِينَئِذٍ الكثرة صفة العدد حَقيقَة فإسنادها إلَى القوم مجاز عقلي وإسنادها إليهم بمعنى العدد
حَقيقَة فاعتبارهما معًا في إطلاق واحد لا يخلو عن تمحل.
قوله: (يقال عفا النبات) إذا كثر، ناقص واوي.
قوله: (ومنه إعفاء اللحى) بكسر اللام وضمها وهمزة الإعفاء للتعدية أي إكثار اللحى.
قوله: (وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا) الآية. عطف عَلَى (عفوا) والجامع عقلي
إذ العفو والكثرة علة لهذا الْقَوْل، والتَّعْبير بالمس دون الأخذ بيان منهم لشدة إصابة الضراء
والسراء، وَأَيْضًا لا يلائم الأخذ بالنظر إلَى السراء فإنه غلب في المعاتبة والمعاقبة. وقيل ولعل
تأخير السراء للإشعار بأنها تعقب الضراء فلا ضير فيها انتهى. والأولى وجه تأخيره الموافقة
لما أصابهم أولًا الضراء ثم السراء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ومنه إعفاء اللحى. كما جاء في الْحَديث"اعفوا اللحى"أي وفروا وكثروا. الإعفاء: التوفر.