خبرا ثانيا أو خبرًا و (لا ريب فيه) حال من الْكتَاب أو اعتراض) فيكون من
رب الْعَالَمينَ حالًا أي يتعين للحالية من الضَّمير عَلَى الوجه الأخير لما ذكره من أن المصدر
الخ. أي تنزيل مصدر مبتدأ خبره (لا ريب فيه) ولا يعمل في قوله:(من
رب الْعَالَمينَ)لوقوعه [حِينَئِذٍ] بعد الخبر لكن المصدر هنا مأول بالمشتق فلا مانع
من العمل وهذا أولى من القول بأنه ظرف متوسع فيه، وأما عَلَى غيره فيجوز تعلقه بـ تنزيل
لأن المعترضة لا تعد أجنبية كما قيل. ويجوز أن يكون حالًا أَيْضًا من الضَّمير في فيه أو من
الْكتَاب ويجوز هذا أَيْضًا في الوجه الأخير.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ
قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)
قوله: (والضمير في فيه لمضمون الْجُمْلَة ويؤيد قوله:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الْحَقُّ منْ رَبّكَ) فتصريح بل وتعريف الخبر الذي هُوَ الحق بلام الجنس الدال عَلَى
أنه هُوَ الحق كله مثل هُوَ الرجل كل الرجل، وتَخْصيص لفظ الحق عَلَى حمل المصدر مُبَالَغَة، وأما
تَخْصيص إضافة الرب بعد التعميم أعني ربك ورب الْعَالَمينَ فلتخلص.
صلوات الله عليه]] والإيذان بأن المنزل الكائن من جهة مالك الْعَالَمينَ ومدبر أمور المخلوقات
كلها هُوَ الثابت من جهة من هُوَ مالكك ومدبر أمورك خاصة، فدل هذا التَّخْصِيص بعد التعميم عَلَى
عظم شأنه - صلى الله عليه وسلم - ثم التصريح باسمه الجامع وإثبات الخالقية والمدبرية بعد الحكم بإنزال هذا الْقُرْآن
بقوله: (الله الذي خلق السَّمَاوَات والْأَرْض) الآية. دل عَلَى تعظيم المنزل والمنزل عليه
كأنه قيل: هو الْحَقُّ منْ رَبّكَ ذلك الذي خلق السَّمَاوَات الْأَرْض ثم استوى عَلَى العرش فهو من باب
ترتب الحكم عَلَى الوصف الْمُنَاسب. قال الزمخشري رحمه الله: ونظيره أن يعلل العلم في مسألة بعلة
صحيحة جامعة قد احترز فيها أنواع الاحتراز كقول الْمُتَكَلّمينَ النظر أول الأفعال الواجبة عَلَى
الإطلاق التي لا يعرى من وجوبها مكلف، ثم يعترض عليه ببعض ما وقع احترازه منه فيرده بتخليص أنه
احترز من ذلك ثم يعود إلَى كلامه وتمشيته. تم كلامه. وهذا كما قال نجم الدين الخوارزمي في كتاب
الصفوة: النظر أول الواجبات لأن بيان الواجبات الشرعية فرع عَلَى معرفة الله بتوحيده وعدله ومعرفته فرع
عن النظر فكان النظر ضدمًا عَلَى الكل. فإن قيل: رد الوديحة وقضاء الدين وترك الظلم وشكر. نعم العباد
واجبة عند كمال العقل فلم يكن النظر أول الواجبات، قلنا نحن لا ندعي ذلك عَلَى الإطلاق ولكنا نقول
النظر أول الواجبات المقصودة التي لا ينفك عنها كل عاقل. إلَى هنا كلام نجم الدين رحمه الله. أما (تنزيل)
الآية. عَلَى كلام الزَّمَخْشَريّ وتقريره عَلَى وفق مثال المسألة التي أورده نجم الدين الخوارزمي فهو أن
تقدير الْكَلَام: الم ذلك الْكتَاب تنزيل من رب الْعَالَمينَ. واعترض عليه بأنهم يقولون افتراه وهو كلام ناش
من الريبة، وقد احترز عن هذا الاعتراض بقوله: (لا ريب فيه) لأنه كلام جامع ومعناه أن
هذا الْكتَاب لوضوح دلالته وسطوع برهانه ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل للريبة، وقوله:(بل هُوَ
الْحَقُّ منْ رَبّكَ)رد عَلَى الاعتراض وإشَارَة إلَى أن قوله: (لا ريب فيه) قد
احترز فيه من ذلك لأنه متضمن لمعنى أنه غير مفترى ثم عاد بقوله: ( [لِتُنْذِرَ] قَوْمًا) إلَى تقرير الْكَلَام
السابق وتمشيته ببيان أن الغاية من تنزيله الإنذار.