مخلوقًا منها وقد مَرَّ الْكَلَام فيه في مواضع شتى لكن قَوْلُه تَعَالَى: (ثم جعل نسله)
الآية. يأبى بحسب الظَّاهر حمله عَلَى الجنس هنا .
قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ(8)
قوله: (ذريته سميت بذلك لأنها تنسل منه أي تنفصل) لأنها تنسل بوزن تنصر منه أي من
آدم بالذات أو بالواسطة فلا تتناول حواء لأنها خلقت من ضلعه .
قوله: (مِنْ سُلالَةٍ) من خلاصة سلمت من بين الكدر فـ (مِنْ) ابتدائية
ولفظة من في (مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) بالنسبة وقد بين بقوله: (من طين)
في سورة الْمُؤْمنينَ لأن الْمُرَاد هناك آدم نفسه وهنا ذريته .
قوله: (ممتهن) أي مبذول حقير وفسره في سورة (والمرسلات)
بنطفة مذرة وقذرة ذليلة .
قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا
ما تَشْكُرُونَ (9)
قوله: (قَوَّمَّهُ بتصوير اعضائه عَلَى ما يَنْبَغي) والتسوية جعل الأعضاء سليمة مسواة
معدلة لمنافعها والتعديل جعل البينة معتدلة متناسبة الأعضاء، ولعل التسوية هنا شاملة لهما
قوله: قَوَّمَّهُ إشَارَة إلى ما ذكر وهذا التسوية والتقويم بعد ما صار النطفة علقة والعلقة مضغة
والمضغة عظامًا عَلَى ما فصل في أوائل سورة الْمُؤْمنينَ، ولذا قال ثم سواه بكلمة (ثُمَّ) الدَّالَّة
على التراخي وحاصل معناه ثم سواه ثم عدل خلقه وهيأه لنفخ الروح فيه. أي في آدم ومعنى
نفخ الروح تعلقه بالبدن كذا قاله الْمُصَنّف في سورة الحجر وتمام البحث هناك. قال صاحب
الكَشَّاف: في تلك السُّورَة ولا نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لتَحْصيل ما يحيى به .
قوله: (إضافة إلَى نفسه تشريفًا) الأولى إلَى ذاته تَشْريفًا كـ ناقة الله وبيت الله
الضَّمير في له للروح بتأويل المخلوق، وأما رجوعه إلَى الْإنْسَان فلا يصح لعدم صحة
الْإضَافَة إلَى ذاته .
قوله: (وإشعارًا بأنه خلق عجيب، وأن له شأنًا له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية) خلق
عجيب لا يعلم كنهه إلا هُوَ كقَوْله تَعَالَى: (ويسألونك عن الروح) الآية.
كما في الكَشَّاف. قوله له أي للروح شأنًا مناسبة ما إلَى الحضرة الربوبية حيث كان من
المجردات عن التجسم والعوائق الجسمانية واتصالها بالعالم العلوي والملكوت وهذا بناء
على أن الروح مجردة متعلقة بالبدن تعلق التدبير والتصرف غير حال فيه وهو مذهب
الفلاسفة وشرذمة قليلة من الْمُتَكَلّمينَ وقد عرفت أن الروح خلق عجيب لا يعلم كنهه إلا
هو لكن الْمُصَنّف مال في مثله إلَى مسلك الفلاسفة الحضرة مصدر بمعنى الحضور
المعنوي هنا. قيل: والْمُرَاد المقام والمحضر وأقحم تأدبًا عَلَى ما عرف في الاسْتعْمَال .
قوله: (ولأجله [قيل] : من عرف نفسه فقد عرف ربه) هُوَ كلام أبي بكر الرازي كما ذكره