كمذهب أهل الهوى والبدع وإلا فما معنى التحسر انتهى. وقال بعضهم والْجَوَاب: أن
المحجور عن [شيء] قد يتمنى أن كان [ممكنًا] منه بأن يقول يا ليتني كنت [ممكنًا] منه فأفعله
فأنال حظه، فإذا صح ذلك من المحجور فلأن يصح أن لا يستقل في أفعاله فإنه يصح منه أن
يقول يا ليتني كنت مستقلًا في إتيان الْأَعْمَال الصالحة فأتيت بها في الدُّنْيَا لهذه الحياة
الْأُخْرَويَّة انتهى. ولا يخفى ضعفه. أما أولًا فلأن الْكَلَام حِينَئِذٍ يكون موجزًا مخلًا فإن
المُتَعَارَف في مثله ذكر ما بعده، وأما ثانيًا فلأن قوله يا ليتني كنت مستقلًا في إتيان
الْأَعْمَال ساقط مخالف لمذهب أهل الحق، بل يكفي أن يقال يا ليتني كنت صارفًا اختياري
وإرادتي [للْأَعْمَال] الصالحة والاعتقادات الحقة، لكن لما فات [أوانه] صار مستحيلًا فكان
يتمنى، فعلم أن كلام المص لا يخلو عن كدر وخلل.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)
قوله: (الهاء لله تَعَالَى أي لا يتولى عذاب الله ووثاقه يوم القيامة سواه إذ الأمر كله له)
فالعذاب أي التعذيب مختص [به] ، فالْإضَافَة للتهويل [[لأنه] ] عذاب العذاب وله نظائر كثيرة
فإشكال السعدي بأن هذا التعليل يقتضي إطلاق العذاب دون الْإضَافَة وبين ظاهرهما تنافٍ
ظَاهر فتدبر جدًا.
قوله: (أو للْإنْسَان أي لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه) أي الهاء راجع إلَى
الإنسان أي لا يعذب أحد الخ. نبه به عَلَى أن الْمُرَاد بأحد أحدٌ من الزبانية بقرينة أن من يلي
العذاب الزبانية مثل ما يعذبونه أشار به إلَى أن عذابه معناه أن مثل عذابه من التشبيه البليغ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: الهاء للَّه تَعَالَى. أي الضَّمير في (عذابه) للَّه تَعَالَى عَلَى أنه مصدر قائم مقام التعذيب
مضاف إلَى فاعله أي لا يعذب تعذيب الله أحد، وكذا الوثاق مصدر بمعنى التوثيق كالسلام
بمعنى التسليم.
قوله: لا يتولى عذاب الله ووثاقه الخ. جواب عَمَّا قال ابى الحاجب في الأمالي: والضَّمير في
عذابه في قراءة الكسر للْإنْسَان المتقدم ذكره، ولا يحسن أن يكون للَّه لأن الْمَعْنَى لا يعذب يوم
الْقيَامَة عذاب الله أحد، فلا يقوى الْمَعْنَى لما [سيق] له وهو أن تعظيم عذاب الله لهذا الْإنْسَان أكبر من
غيره. قال صاحب الكشف: والضَّمير عَلَى قراءة الكسر إما لله أي لا يتولى عذاب اللَّه أحدٌ كأنه قيل:
لا يفعل عذاب الله ولا يباشر أحد، وذلك لأن معنى مطلق الْفعْل موجود في ضمن كل خاص
واستعمل ذلك اسْتعْمَالًا شائعًا في مثل: وحيل بين العير والنزوان، و (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا) فالعذاب مَفْعُول
به، وفيه تعظيم عذاب الله لهذا الْإنْسَان عَلَى طريق الكناية، فما نقل من الأمالي من عدم قوة الْمَعْنَى
بناء عَلَى فوات التعظيم [فللغفول] عن نكتة الكناية. وأقول: تعظيم العذاب لهذا الْإنْسَان عند رجع
الضَّمير إلَى الإنسان يستفاد من حاق اللَّفْظ وعند رجعه إلَى الله تَعَالَى يستفاد من فحواه ومن طريق
المفهوم الخارجي، وابن الحاجب استرجح الأول عَلَى الثاني.