يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ
يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)
قوله: (اللَّهُ نَزَّلَ) تقديم المسند إليه عَلَى الخبر الفعلي للحصر
وصيغة المضي لتَغْليب ما أنزل عَلَى ما لم ينزل بعد .
قوله: (يعني الْقُرْآن روي أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا له حدثنا فنزلت)
ملوا ملة بفتح الميم السآمة مصدر مللت بالكسر وعروض السآمة لهم إما بمقتضى
البشرية أو بسَبَب آخر فطلبوا منه صلى الله تَعَالَى عليه وسلم أن يصاحبهم ليزيلوا
سآمتهم فنزلت هذه الآية إرشادًا لهم إلَى ما يزيل سآمتهم وهو تلاوة الْقُرْآن وتفكر ما
فيه من اللطائف والإذعان .
قوله:(وفي الابتداء باسم الله وبناء نزل عليه تأكيد للإسناد إليه وتفخيم للمنزل
واستشهاد عَلَى حسنه)وفي الابتداء باسم اللَّه الخ. حيث لم يجئ نزل الله تأكيد للإسناد إليه
أي مع الحصر كما ذكرناه وتفخيم الخ. حيث اخْتيرَ اسم الجلال المستجمع بجميع صفات
الْكَمَال. قوله واستشهاد الخ. أي استدلال عَلَى حسنه الأولى عَلَى أحسنيته لأنه المدعي
وعدي بـ على لكونه بمعنى الاستدلال. وجه الاستدلال أنه لما كان منزله هُوَ الْمَوْصُوف بجمع
أوصاف الْكَمَال ومن جملتها كونه عالمًا بالأحسن علم كون المنزل أحسن الْحَديث. قوله
وتفخيم واستشهاد مَعْطُوف عَلَى تأكيد لأن قوله وفي الابتداء باسم الله متضمن لدعوى أن
ذكر اسم الله لاتق وهما ناظران إليه دون [الابتداء] باسم الله بل قوله تأكيد ناظر إليه فقط
والخاص أن المنزل لما كان عَلَى الْكَمَال المطلق الدال عليه اسم الجلال والأثر يجب أن
يناسب المؤثر. وبالْجُمْلَة عظيم الْفَاعل يقتضي عظيم فعله وهو يوجب حسنه كَمًّا وَكَيفًا
والْمُرَاد هنا الأحسنية كيفًا أي من جهة البلاغة المُبَالَغَة إلَى حد الإعجاز. قوله الآتي في
الإعجاز إشَارَة إلَى ما ذكرناه، ولو اكتفى بذلك في بيان الأحسنية لكفى وبالمرام أوفى .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ملوا ملة. قال الْجَوْهَريُّ: مللت الشيء بالكسر أمله ومللت منه مَللًا ومَلَّةً ومَلالَةً إذا
سئمتَهُ.
قوله: وفي الابتداء باسم الله الخ. وفي الكَشَّاف: وإيقاع اسم الله مبتدأ وبناء نزل عليه فيه
تفخيم لأحسن الْحَديث ورفع منه واستشهاد عَلَى حسنه وتأكيد لاستناده إلَى الله وأنه من عنده
وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه وتنبيه عَلَى أنه وحي معجز مباين لسائر الأحاديث. يعني هذا
التركيب من باب تقَوِّي الحكم لكن في تَخْصيص اسم الله الجامع بالذكر وإيقاع الْفعْل عَلَى
أحسن الْحَديث وإبدال كتابًا عنه ووصفه بمتشابها [للإشعار] بترتب الحكم عَلَى الوصف والدلالة
على الاخْتصَاص وأن مثل هذا الْكَلَام في حسن نظمه وغرابته وكونه جامعًا للمعارف الحقة
وحائزًا لمحاسن الأخلاق ومكارم الشيم لا يَنْبَغي أن يصدر إلا عمن استجمع فيه الأسماء
الحسنى والصفات العليا. وفي قوله وأن مثله إشَارَة إلَى الْكِناية التي ذكروها في نحو مثلك لا
يبخل ومثلك يجود، مريدًا به أنت لا تبخل وأنت تجود .