قوله: (بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ) أي لم يرتدعوا عن ذلك بل لا
يخافون الْآخرَة لأنهم لا يُؤْمنُونَ بها وهذا هُوَ المراد.
قوله: (فلذلك أعرضوا عن التذكرة) إشَارَة إلَى ارتباطه بما قبله وإعراضهم عنها علة
لعدم خوفهم من الْآخرَة ففيه شائبة الدور فلا تغفل.
قوله: (لا لامتناع إيتاء الصحف) يعني يرون أنهم أعرضوا عنها لامتناع ما طلبوه فرده
تَعَالَى أن إعراضهم ليس كَذَلكَ بل لعدم خوفهم من الْآخرَة المسبب عن عدم اعتقادهم بها.
قوله تَعَالَى: (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54)
(ردع لهم عن إعراضهم. [إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ] . وأي تذكرة) .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55)
قوله: (فمن شاء أن يذكره) نبه به عَلَى أن مَفْعُول شاء مَحْذُوف يدل عليه الْجَوَاب
كما هُوَ الْمَشْهُور. قوله ذكره إن شاء الله تَعَالَى أَيْضًا ذكره لقَوْله تَعَالَى: (وما يذكرون)
الخ. لأن مشيئة العبد ليست بكافية في وجود مكسوبه.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)
قوله: (ذكرهم أو مشيئتهم كقوله:(وَمَا تَشاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ)
أو مشيئتهم أي الْمَفْعُول الْمَذْكُور إما ذكرهم وهو الظَّاهر الْمُتَبَادَر أو مشيئة العبد وهذا
مذهب الأشاعرة من أن إرادة العبد الجزئية مخلوقة له تَعَالَى موجودة في الخارج بمشيئة الله
تَعَالَى فلزم الجبر المتوسط المؤدي إلَى الجبر المحض، وأما عند إمامنا أبي منصور فإرادة
العبد ليست بمشيئة الله تَعَالَى ولا يخلقه؛ لأنها ليست بموجودة في الخارج بل هي أمر
اعتباري لكن ليس باعْتبَار محض كأنياب الأغوال بل متحقق في نفس الأمر لا يحتاج إلَى
الخالق فهي من العبد وهي مدار الثواب والعقاب ولا يلزم أن يكون العبد خالقًا لها لما مَرَّ
من أنها ليست بموجودة في الخارج، والخلق إنما يكون فيما هُوَ موجود في الخارج. ومن
أراد الاستقصاء فليراجع إلَى المقدمات الأولع وحاشيتنا عليها وسيجيء الْكَلَام في قوله
تَعَالَى: (وَمَا تَشاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) .
قوله: (وهو تصريح بأن فعل العبد بمشيئة الله تَعَالَى) قبيحًا أو حسنًا ففيه رد عَلَى المعتزلة
حيث زعموا أن العبد خالق فعله لا بخلق الله تَعَالَى ولا بمشيئته وحملهم عَلَى ذلك عَلَى مشيئة
القسر والإلجاء خروج عن الظَّاهر مع أن حمل النصوص عَلَى ظواهرها واجب حسبما أمكن.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ذكرهم أو مشيئتهم. قَالَ صاحب الكَشَّاف: إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه. لأنهم
مطبوع على قلوبهم. قال الإمام:[إنَّهُ تَعَالَى نَفَى الذِّكْرَ مُطْلَقًا، وَاسْتَثْنَى عَنْهُ حَالَ الْمَشِيئَةِ الْمُطْلَقَةِ، فَيَلْزَمُ
أَنَّهُ مَتَى حَصَلَتِ الْمَشِيئَةُ أَنْ يَحْصُلَ الذِّكْرُ فَحَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ الذِّكْرُ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ تَحْصُلِ الْمَشِيئَةُ،
وَتَخْصِيصُ الْمَشِيئَةِ بِالْمَشِيئَةِ الْقَهْرِيَّةِ تَرْكٌ للظاهر].