كسائر الآيات دالة عَلَى كمال قدرته وعلمه وإرادته لكن كونها بمعنى آية علامة عَلَى هلاك
فرعون أمس بالمقام وأوفى بالمرام وعن هَاهُنَا قال محتمل عَلَى الْمَشْهُور أي قراءة(لمن
خلفك)قيل تنبيه استشكل قصة فرعون بأن إيمانه إن كان قبل رؤية ملائكة
الموت وحال اليأس فباب التَّوْبَة مفتوح فلم لم يقبل إيمانه، وإن كان بعده فلا ينفعه ما ذكر
من النطق والْجَوَاب وهو مخالف للإجماع. وأُجيب عنه بوجوه. أحدها: أنه كان دون ظهور
أمر عظيم فلذا لم يقبل إيمانه. الثاني أنه كان بعد موته كسؤال الملكين. الثالث أنه في حال
حياته لكنه علم عدم إخلاصه في اعتقاده انتهى. والْجَوَاب الأوفى ما أشرنا إليه آنفًا من أن
الأموات لهم سمع مثل الأحياء. روي عن عمر - رضي الله تَعَالَى عنه - قال رسول الله صلى الله
تَعَالَى عليه وسلم:"يا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقًا فإني قد وجدت"
ما وعدني الله حقًا"فقال عمر يا رسول الله: كَيْفَ تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال عليه"
السلام:"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا عليَّ شيئاً"رواه
مسلم عن عمر - رضي الله تَعَالَى عنه - نقله عنه الإمام الصغاني في مشارق الأنوار. والأصح أن
هذا عام لجميع الأموات غير مختص بقتلى بدر وقد مَرَّ البيان أن مثل هذا واجب الاعتقاد
بلا اشتغال بمعرفة الكيفيات .
قوله: (لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها) وهذا معنى الغفلة في مثل هنا ولأجل
أحوال كثير من النَّاس يكون كَذَلكَ غفل فرعون وقومه عن آياتنا فانتقمنا منهم فأهلكناهم
أَجْمَعينَ وأورثنا منازلهم وديارهم قومًا آخرين.
[قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ
الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) ]
(وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ)
شروع في بيان إنعامه تَعَالَى [على] بَني إسْرَائيلَ إثر إهلاك أعدائهم وإنزالهم منازلهم
ومع ذلك أساءوا الأدب وعصوا الرب وآثروا الكفران عَلَى الإطاعة والشكران .
قوله: (أنزلنا) فسره به إذ التبوء [معناه] الحقيقي وهو اتخاذ المباءة والمنزل أو [تهيئة]
غير صحيح هنا فأريد لازمه مَجَازًا .
قوله: (منزلًا صالحًا مرضيًا وهو الشام ومصر) فـ مبوأ اسم مكان منصوب عَلَى
الظرفية، واحتمال المصدرية بتقدير مضاف أي مكان تبوأ أو بدونه خلاف الظَّاهر ولا
داعي له وبوأ متعد لواحد إذا فسر بـ أنزل كما اختاره الْمُصَنّف وقد يتعدى لاثنين فيكون
مبوأ مَفْعُولًا ثانيًا كذا قيل. وتعديته إلَى المَفْعُولَيْن إذا كان بمعنى التهيئة كقوله بوأت له
وبوأته منزلًا إذا هيأت له ذلك، لكن صحة هذا الْمَعْنَى هنا بلا تأويل غير واضح قال
تَعَالَى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) أي
تسوى وتهيئ لهم أماكن، والظَّاهر أن معنى التسوية والتهيئة حَقيقَة مختص بالعباد
والصدق هُوَ الحكم المطابق للواقع وهو بهذا الْمَعْنَى لا يوجد في مثل المنزل فيراد به