حق ظاهرًا وأريد بها باطل باطنًا بدلالة قوله الثاني وصاحب الكَشَّاف نظر إلَى ظَاهر الحال
وجعل الردع مصروفًا للثاني فقط بعد بيان ما ذكره الْمُصَنّف واختاره، غاية الأمر أنه رَجَّحَ
الاحتمال الثاني لكن الأَولى ما ذكره أولًا لأنه بينه عَلَى وجه الشبع وشيد أركانه.
قوله: (ولم يقل فأهانه وقدر عليه كما قال:(فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) لأن التوسعة
تفضل والإخلال به لا يكون إهانة) ولم يقل الخ. عطف عَلَى قوله ذم الخ. والسكوت عن مثل هذا
البيان يرى حسنًا فإن هذا الْقَوْل منه تَعَالَى لا يخطر بالبال فإنه لو فرض أن التقتير لا يؤدي إلَى
كرامة الدارين لا يكون إهانة أَيْضًا، والظَّاهر من كلامه أن عدم كونه إهانة لأنه قد يؤدي إلَى سعادة
الدارين حيث عطف لم يقل عَلَى ذم المعلل بما ذكر مع أن المتصرف في ملكه لا يكون إهانة
أصلًا كما لا يكون ظلمًا قطعًا.
قوله:(وقرأ ابن عامر والكوفيون «أكرمن» و «أهانن» بغير ياء في
الوصل والوقف. وعن أبي عمرو مثله ووافقهم نافع في الوقف وقرأ ابن عامر فَقَدَرَ بالتشديد)
بغير ياء للاكتفاء بالكسر كما في قوله (يا أبت) وهذا كثير في الاسْتعْمَال
والأصل الذكر. قوله بالتشديد أي بتشديد الدال وهو أَيْضًا بمعنى التقتير لكن التشديد يفيد
المُبَالَغَة في تضييق الرزق لأنه من قبيل الكلي المشكك كالإكرام والتنعيم.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(18)
قوله: (بل فعلهم أسوأ من قولهم وأدل عَلَى تهالكهم بالمال) أشار به إلَى أن بل
للترقي من القبيح إلَى الأقبح؛ إذ الإضراب عَلَى وجه الإبطال في كلام اللَّه تَعَالَى إلا عَلَى
وجه الحكاية والالْتفَات من الغيبة إلَى الخطاب للمُبَالَغَة في التوبيخ.
قوله: (وهو أنهم لا يكرمون اليتيم بالنفقة والمبرة) كون النفي فعلًا لأنه بمعنى كَيْفَ
النفس عن الإكرام والإطعام أو لأنه مستلزم للبخل وتَخْصيص اليتيم لأنه أحق بالمرحمة
فمن لم يكرمه ولم يرحمه لم يكرم غيره بطَريق الأولوية، وإنما لم يقل لا تنفقون مع أنه
المقصود؛ إذ التَّعْبير بلا تكرمون للتنبيه عَلَى أنه مستحق للإكرام من كل وجه ولذا قال
الْمُصَنّف والمبرة بعد قوله بالنفقة لا سيما إذا كان اليتيم من الأقارب وفي اليتيم تَغْليب عَلَى
اليتيمة أو الاكتفاء بذكر الذكر من الأنثى.
قوله:(ولا يحثون أهلهم على طعام المسكين فضلًا عن غيرهم، وقرأ الكوفيون «وَلا
تَحَاضُّونَ»)قدر الأهل لأنهم أحق بالحث من غيرهم والأمر بالطاعات كما أشير إليه
في قَوْله تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) الآية. وإذا لم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بل فعلهم [أسوأ] من قولهم. يريد بيان وجه اتصال هذه الآية بما قبله وأن المضرب عنهم
قولهم ذلك والمضرب فعلهم هذا وأن الثاني أفحش من الأول وأن فَائدَة الإضراب التدرج من
القبح إلَى الأقبح من حيث إن الثاني أشد دلالة عَلَى تهالكهم بالمال من الأول.