للمعاريض كذبًا لما شابهت صورتها صورته) حديث حسن أخرجه أبو دَاوُود والترمذي عن
أبي هريرة - رضي الله تَعَالَى عنه - وهو إشَارَة إلَى جواب إشكال عَلَى الْوُجُوه الأول وتقريره
ظَاهر وتفصيله قد تقدم في سورة البقرة في قَوْله تَعَالَى:(ولهم عذاب أليم بما كانوا
يكذبون)والمعاريض جمع معراض وهو ما لا يكون المقصود به ظاهرا ولا
يكون مدلولًا للكلام لا حَقيقَة ولا مَجَازًا بل يفهم من عرض الْكَلَام، ولما كان هذا من
المعاريض لا يلزم صدور الكذب عن الرَّسُول المعصوم وأما التسمية كذبًا فاسْتعَارَة لما
شابهت صورتها صورته فحصل التوفيق بين الآية الكريمة والْحَديث الشريف بأن الآية
الكريمة تدل عَلَى انتفاء الكذب الحقيقي عنه عَلَيْهِ السَّلَامُ والْحَديث يشعر ثبوته له بطَريق
الْمَجَاز والاسْتعَارَة فالظَّاهر أن هذا الإشكال عَلَى الْقَوْل الأخير حيث انتفى الكذب وشائبته
بالمرة وقد أثبت في الْحَديث، ولذا ذكر الْحَديث الشريف عقيبه ولك أن تعم الْوُجُوه بأسرها
إذ في الْوُجُوه الأول نفى عنه الكذب أَيْضًا لكن الأخير أوضح .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ(64)
قوله: (وراجعوا عقولهم) أي الْمُرَاد بالأنفس العقول ؛ إذ قد تطلق عليها والرجوع إلَى
العقول كناية عن التفكر والتَّعْبير بالمفاعلة للمُبَالَغَة .
قوله: (فقال بعضهم لبعض) الفاء للسببية بملاحظة مقدمة وهي واستقاموا بالمراجعة
فقال بعضهم الخ. أَشَارَ إلَى أن الإسناد إلَى الجميع مجاز لوجود الرضاء .
قوله: (بهذا السؤال أو بعبادة من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لا من ظلمتموه بقولكم:
(إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) بهذا السؤال أي بسؤال أأنت فعلت فإن هذا السؤال
يشعر بأنه أأنت فعلت أم فعله كبيرهم مع أنه لا يستأهل لذلك. وقيل يعني عَلَى قصد الإهانة
والإرذال فإن الاسْتفْهَام يتضمن الإنكار فتأمل أي إنكار الواقعي والتوبيخ. قوله لا من ظلمتموه
من التفعيل أي نسبتموه إلَى الظلم أشار به إلَى أن قولهم إنكم أنتم الظالمون لحصر الظلم
إليهم حصرًا إضافيًا لأن الخبر معرف بلام الجنس وضمير الفصل يؤكد ذلك القصر .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
البيان فإن قوله: (إني سقيم) مَجَاز مُرْسَل بمعنى سأسقم لا تعريض وقوله:(بل
فعله كبيرهم)تعريض اصْطلَاحي عَلَى ما مَرَّ أو مجاز عقلي من باب الإسناد إلَى
السبب وقوله لسارة: هذه أختي. إيهام لأن الْمُرَاد الْمَعْنَى البعيد للأخت وهو الأخوة في الدين فاسْتُعيرَ
لفظ الكذب في الْحَديث لهذه الأقوال الثلاثة لمشابهتها في الصورة أي في الظاهر الكذب وليست
بكذب في الْحَقيقَة فإن الْمُرَاد بالأول تقرير الْفعْل لنفسه وبالثاني سأسقم وبالثالث الأخوة الدينية فهذه
الأقوال الثلاثة بالنسبة إلَى الْمَعْنَى الْمُرَاد صادقة، وإن كان ما به التوصل إلَى الْمُرَاد في صورة الكذب
فإطلاق لفظ الكذب عَلَى هذه الأقوال إنما هُوَ عَلَى وجه الْمَجَاز المُسْتَعَار .
قوله: لأن ظلمتموه بقولكم: (إنه لمن الظَّالمينَ) ظلمتموه بالتشديد أي
نسبتموه إلَى الظلم أو حكمتموا عليه بالظلم بقولكم هذا .