بعد قوله: ( [غُدُوُّهَا] شَهْرٌ) ومنه قَوْلُه تَعَالَى:(لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا
عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ)الآية. وسره يظهر بالتأمل.
قَوْلُه تَعَالَى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)
قوله:(من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها فهي في الحقيقة له لا
لكم)فهي أي الأموال في الْحَقيقَة أي في الواقع وفي نفس الأمر لا لكم أي في الْحَقيقَة
وإن كانت لكم بحسب الظَّاهر فالْحَقيقَة مقابلة للظَاهر لا الْمَجَاز، وهذا الْمَعْنَى منفهم من
التَّعْبير بـ (جعلكم مستخلفين) ففيه تحريض عَلَى الإنفاق، كَمَا صَرَّحَ به الْمُصَنّف ووعيد عَلَى
تركه. وكلمة (مِنْ) تبعيضية زجرًا عن إنفاق الكل.
قوله:(أو التي استخلفكم عمن قبلكم في تملكها والتصرف فيها، وفيه حث على
الإِنفاق وتهوين له على النفس)أو التي استخلفكم عطف عَلَى قوله: جعلكم الله الخ. أي
الاستخلاف إما عن المالك الحقيقي الذي له التصرف الحقيقي، أو عن المالك الظاهري
المتصرف المجازي. قدم الأول لأصالته والثاني راجع إليه بالْآخرَة.
قوله: (وعدٌ فيه مبالغات جعل الجملة [اسمية] وإعادة ذكر الإِيمان والإِنفاق) وعدٌ فيه
مُبَالَغَة كما بينه؛ إذ الْجُمْلَة الاسمية تدل عَلَى الدوام والثبوت فتفيد المُبَالَغَة في الوعد لا سيما
إذا كان المقام يقتضي كون الْجُمْلَة فعلية لأنه جواب الأمر، فالظَّاهر أن يقال يعطوا أجرًا كَبيرًا
أو بثواب عظيم. وإعادة ذكر الإيمان والإنفاق تنويه لشأنهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو التي استخلفكم عمن قبلكم في تملكها. فسر مستخلفين عَلَى وَجْهَيْن. الوجه الأول:
بني عَلَى أن الاستخلاف من الخَليفَة، والثاني عَلَى أنه من الخلف فإن استخلفته يجيء بمعنى جعلته
خَليفَة، وبمعنى جعلته خلفًا ويجوز عَلَى الثاني حمله عَلَى معنى الخَليفَة أَيْضًا.
قوله: وفيه حث عَلَى الإنفاق وتهوين له عَلَى النفس. أي وإعلام أنه هين عَلَى النفس. وجه
الحث أنه إذا لم يكن المال للمنفق هان عليه الإنفاق ولم يثقل عليه بذله؛ لأنه فيه كالوكيل والنائب
عن الغير، وهذا عَلَى الوجه الأول ظَاهر وعلى الوجه الثاني أظهر. وفي الكَشَّاف:[جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ
فِيهِ يعنى أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما موّلكم إياها،
وخوّلكم الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة. وما أنتم
فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنوّاب، فأنفقوا منها في حقوق الله، وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون
على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه. أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم [فيما] في
أيديكم: بتوريثه إياكم، فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم، وسينقل منكم إلى من بعدكم، فلا
تبخلوا به، [وانفعوا] بالإنفاق منها أنفسكم.
قوله: وعدٌ فيه مبالغات. أما وجه دلالة اسمية الْجُمْلَة عَلَى المُبَالَغَة فظَاهر وهو إفادتها معنى
الدوام والاسْتمْرَار، وأما وجه دلالة إعادة ذكر الإيمان والإنفاق عليها أنها تدل عَلَى كمال العناية