عقيب مجيئه بالذات بلا واسطة يرشدك إليه قوله (إن لعبدي عهدًا) تَشْريفًا له عَلَى رءوس
الأشهاد (عندي) فيه تعظيم أَيْضًا فإنه عندية مكانة (عهدًا) أي وديعة(وأنا أحق من وفى
بالعهد)لما نقل عن المدارك من قرأها عند منامه، وقال بعدها أشهد بما شهد الله به
وأستودع اللَّه هذه الشَّهَادَة وهي لي عنده وديعة. يقول الله تَعَالَى. الْحَديث .
قوله: (أدخلوا عبدي الجنة) أظهره تفخيمًا ؛ إذ صفة العُبُوديَّة أشرف الصفات قيل
والْحَديث ضعيف لكنه في الفضائل وهو مقبول فيها .
قوله: (وهو دليل عَلَى شرف علم أصول الدين) وهو الْكَلَام لاشتماله عَلَى بيان
التوحيد الذي هُوَ معلومه وشرف العلم بشرف معلومه وشرف موضوعه وغايته(وشرف
أهله)لاتصافهم بأشرف العلوم قال في سورة البقرة وحث عَلَى البحث والنظر فيه
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ
مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19)
قوله: (جملة مُسْتَأْنَفَة) أي جملة ابتدائية مسوقة لبيان فضيلة التوحيد والتدرع بالشرع إثر
بيان الشَّهَادَة عَلَى الوحدانية وليس الْمُرَاد اسْتئْنَافًا بيانيًا ؛ إذ لا وجه له. قوله (مؤكدة للأولى)
قرينة عليه لأن المُسْتَأْنَفَة لا تكون مؤكدة عندهم لكونها جوابًا لسؤال؛ ولهذا ترك العطف .
قوله: (أي لا دين مرضيًا عند الله) قيده لتصحيح الحصر (سوى الْإسْلَام) فالدين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي لا دين مرضي عند الله تَعَالَى سوى الْإسْلَام وهو التوحيد. قال صاحب الكَشَّاف فإن
قلت: ما فَائدَة هذا التوكيد؟ قلت فائدته أن قوله: (لَا إلَهَ إلَّا هُوَ) توحيد وقوله:
(قائمًا بالقسط) تعديل فإذا أردفه قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)
فقد أذن أن الْإسْلَام هُوَ العدل والتوحيد وهو الدين عند الله تَعَالَى وما عداه فليس
عنده في شيء من الدين، وفيه أن من ذهب إلَى تشبيه أو ما يؤدي إليه كإجازة الرؤية أو ذهب إلَى
الجبر الذي هُوَ محض الجور لم يكن عَلَى دين الله الذي هُوَ الْإسْلَام يعني أثبت التوحيد والعدل ثم
أتى بقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) جملة مؤكدة فلو لم يكن الْمُرَاد
بالْإسْلَام التوحيد والعدل لم يكن إيراده ملائمًا، وفيه أن من ذهب إلَى تشبيه أو مجيز الرؤية أو ذهب
إلى الجبر لم يكن عَلَى دين الله؛ لأن من أجاز الرؤية ليس من أهل التوحيد لأن الله تَعَالَى لو كان
مرئيًا لكان في جهة مقابلة [للرائي] فيكون جسمًا وكل جسم مركب فإما أن يكون شيء من أجزائه
ممكنًا أو لا يكون ولا سبيل إلَى الأول وإلا لزم إمكان الواجب فتعين الْقَوْل بأن كلا من تلك
الأجزاء واجب الوجود وهو منافٍ للتوحيد، ومن ذهب إلَى الجبر ليس من أهل العدل لأنه نسب
الظلم وجميع القْبائح إلَى الله تَعَالَى فلا يكون عدلًا بل جائزًا، وأَيْضًا إذا كان الشخص مجبورًا عَلَى
ما يفعله فتكليفه عند ذلك الْفعْل يكون جورًا لا محالة. هذا وأجابوا عن الأول بأن اقتضاء الرؤية
الجهة المقابلة إنما هُوَ في الشاهد، وأما في الغائب فلا، وعن الثاني أن الله تَعَالَى يتصرف في ملكه
ويفعل ما يشاء فلا شيء قبيح بالنسبة إليه، وإنَّمَا ذلك بالنسبة إلَى العباد. قال الإمام: ولقد خاض
صاحب الكَشَّاف هَاهُنَا في التعصب للاعتزال وزعم أن الآية دالة عَلَى أن الْإسْلَام هُوَ العدل