فاعله ضمير راجع إلَى الغرفة ومستقرًّا تمييزًا ومن أفعال المدح فاعله ضمير مبهم يفسره
المميز والْمَخْصُوص بالمدح مَحْذُوف، فعلى هذا تأنيث الضَّمير لتأويل المُسْتَقرّ والمقام
بالجنة أو العرفة لأنها مَخْصُوصة بالمدح.
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا(77)
قوله: (ما يصنع بكم من عبأت الجيش إذا هيأته) فما استفهامية. قوله من عبأت
الجيش الخ. فما ذكره لازم معناه لأن الشيء إنما يهيأ ليصنع في الأكثر.
قوله: (أو لا يعتد بكم) فـ (ما) نافية هذا التَّفْسير بناء عَلَى أن ما ولا بمعنى واحد، وقد
فرق بَيْنَهُمَا في سورة الكافرون بأن (لا) لا تدخل إلا عَلَى مضارع بمعنى الاسْتقْبَال كما أن ما
لا تدخل إلا عَلَى مضارع بمعنى الحال فلا تغفل، وهذا من العبء بمعنى الحمل وهذا أَيْضًا
لازم معناه ما لا يعتد به لا يحمل وعدي تعديته كما عُدي في الأول تعدية يصنع قدم الأول
لأن العبء بمعنى التهيؤ أشهر وفي كون ما استفهامية مُبَالَغَة وخصص كونها استفهامية
بالأول ونافية بالثاني؛ إذ الاسْتفْهَام لا يصح في الثاني والنفي في الأول.
قوله: (لولا عبادتكم فإن شرف الإنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة) لولا عبادتكم أي
الدعاء بمعنى الْعبَادَة؛ إذ الدعاء مخ الْعبَادَة، وأَيْضًا العبادة مشتملة له. وأَشَارَ إلَى أن الدعاء
مضاف إلَى الْفَاعل وجواب لولا مَحْذُوف أي ما يصنع أو لا يعتد بكم فالخطاب حِينَئِذٍ
لِلْمُتَّقِينَ. قوله فإن شرف الْإنْسَان الخ. إشَارَة إلَى ارتباطه بما قبله فالعبادة شاملة لترك
المنهيات أَيْضًا لأنها مذكورة فيما سبق أيضًا. قوله بالمعرفة أي معرفة الله تَعَالَى أو معرفة
الأحكام الشرعية مع معرفة الله تَعَالَى والطاعة إشَارَة إلَى العمل بالأحكام ففيه تنبيه عَلَى أن
شرف الْإنْسَان بتكميل القوتين فإن تكميل الْقُوَّة النظرية فقط أو الْقُوَّة العملية فحسب لا يعتد
به فاعتداده تَعَالَى ورضوانه إنما هُوَ باستكمال القوتين.
قوله: (وإلا فهو وسائر الحيوانات سواء) أي وإن لم يكن له معرفة أو طاعة أو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
وَمُقَامًا) في حق الْمُؤْمن مقابل قوله فيما قبل: (سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)
في حق الْكَافرينَ. أي هُوَ مقابله معنى ومثله إعرابًا. أما مقابلته معنى فلأن حسنت
مستقرًا لتضمنه معنى نعمت مستقرًا يكون بمعنى إنشاء المدح كما أن ذلك إنشاء الذم، وأما كونه
مثله في الإعراب فمن حيث إن مستقرًا ومقامًا يحتمل الحال والتمييز في الموضعين.
قوله: ما يصنع بكم من عبأت الجيش إذا هيأته. أي ما يفعل بكم. الْمَعْنَى ما يخلقكم لولا
دعاؤكم أي لولا عبادتكم كما قال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .
وهو قول مجاهد وابن زيد وابْن عَبَّاسٍ. أو ما يعتد بكم ربي لولا عبادتكم يقال ما عبأت به شَيْئًا. أي
لم أعده فوجوده وعدمه سواء.