فبخل ولم يعط الحق فنقض الأول وأعرض عن كونه من الصَّالحينَ ونقض الثاني.
قوله: (وهم قوم عادتهم الإعراض عنها) هذا مُسْتَفَاد من الْجُمْلَة الاسمية الدَّالَّة عَلَى
الدوام والْجُمْلَة تذييلية مقررة لمَنْطُوق ما قبلها وجوز الحال فالواو [حِينَئِذٍ] رابطة ثم في كلام
الْمُصَنّف دفع توهم تَقْييد الشيء بنفسه (فأعقبهم نفافًا في قُلُوبهمْ) الفاء
تشعر بأن نفافهم مترتبة عَلَى البخل وعدم الوفاء بالعهد وأن المعاهد كان في الأصل مسلمًا
فجره سوء عمله إلَى النفاق ومن هذا قال له النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"قليل تؤدي شكره"الخ.
ونصحه ثم ترحمه عليه كما مَرَّ تَوضيحُهُ.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِما
كانُوا يَكْذِبُونَ (77)
قوله: (أي فجعل الله عاقبة فعلهم) أَشَارَ إلَى أن الْمُضَاف مقدر وأن همزة أعقبهم
للتعدية الْمُرَاد بالْفعْل منعهم حق الله تَعَالَى والإعراض عن الطاعة، كَمَا صَرَّحَ به آنفًا فهو
بمعنى كف النفس وكون الْمُرَاد بالبخل يحتاج إلَى التأويل أَيْضًا؛ إذ الْمُتَبَادَر فعل الجوارح لا
فعل القلب ولو قال عاقبة حالهم وشأنهم لكان أسلم وأحكم (ذلك نفاقًا) .
قوله: (وسوء اعتقاد) وإنما عطفه عَلَى النفاق لئلا يتوهم أن الْمُرَاد النفاق في العمل
وفي الصورة (في قُلُوبهمْ، ويجوز أن يكون الضَّمير للبخل) .
قوله: (والْمَعْنَى فأورثهم البخل) فالإسناد مجازي ولكن هذا الْمَعْنَى لا يلائم قَوْلُه تَعَالَى:
(بما أخلفوا الله) الآية. قال المحقق التفتازاني؛ إذ ليس لقولنا أعقبهم البخل (نفاقًا)
بسَبَب إخلافهم الوعد كثير معنى، وإنَّمَا اختاره الزمخشري لنزعة اعتزاله من أنه تَعَالَى لا يقتضي
بالنفاق انتهى. وقيل أَيْضًا في بيان عدم ملائمته هذا المعنى لقَوْله تَعَالَى: (بما أخلفوا الله)
لأن تثبيت الأعقاب الْمَذْكُور بالإخلَاف والكذب يفضي بإسناده إلَى الله تَعَالَى؛ إذ
لا معنى لكونهما سببين لإعقاب البخل النفاق انتهى، ولا يخفى عليك أن الْمَعْنَى حِينَئِذٍ فأورثهم
البخل نفاقًا بسَبَب الإخلاف والكذب في ذلك البخل (فحِينَئِذٍ له كثير معنى) .
قوله: (متمكنًا في قُلُوبهمْ) أشار به إلَى أنه لا يزول النفاق عنهم كما روي أنه هلك
في زمن عثمان ولم يقبل الصدقة منه وكذا نظائره وهذا من فَائدَة ذكر قلوبهم وإلا فالنفاق
لا يكون إلا في الْقُلُوب والحمل عَلَى التَّأْكيد لا يضره ويؤكده قَوْلُه تَعَالَى:(إِلَى يَوْمِ
يَلْقَوْنَهُ).
قوله: (يلقون الله تَعَالَى بالموت) فاليوم لمطلق الوقت أي جزاؤه احتيج إلَى تقدير
مضاف في رجوع الضَّمير إلَى العمل؛ إذ لا حسن بدونه فلذا أخَّره.
قوله: (أو يلقون عمله وهو يَوْم الْقيَامَة) فالْمُرَاد باليوم الوقت الممتد ولا [ضير] في كون
الْمُرَاد الموت في الاحتمال الثاني والْقيَامَة في الاحتمال الأول(بسَبَب إخلافهم ما وعدوه
من التصدق والصَّلَاح).