أوقع في نفس الأنام. وجه الإيضاح ظَاهر ووجه المُبَالَغَة إفادة الشمول لجميع ما فيه فإن
إسناد معنى إلَى ظرف ما حل به زمانيًا أو مكانيًا يفيد عموم معناه لكل ما فيه ويفيد شدة
إصاته بحَيْثُ كأنه سرى إلَى محله .
قوله:(واكتفى باللام عن الْإضَافَة للدلالة عَلَى أن علم المخاطب بتعين الْمُرَاد يغني عن
التَّقْييد)حيث لم يقل واشتعل رأسي كما قال: (وهن العظم مني) أشار به إلَى
أن اللام عوض عن الْمُضَاف إليه، وفيه نزاع بعض البصريين فلك أن تقول إن مراده اللام
للعهد بقرينة ما قبله فيغني عن الْإضَافَة. قوله يغني عن التَّقْييد هذا علة مصححة لا موجبة
ولهذا قال أولا (وهن العظم مني) مع أن علم المخاطب محيط به ولم يقل وهن
عظمي لأن الإجمال أولًا والتَّفْصيل ثانيًا أشد وقعًا في النفوس، ومثل هذا يعد من الْإطْنَاب
للتوضيح نحو رضوان من الله ومغفرة من الله فإنه أبلغ من رضوان الله ومغفرة اللَّه مع أنه أوجز
وأما الْقَوْل بأنه لو قيل كَذَلكَ لم يكن فيه اللام المفيدة للإشَارَة إلَى الجنس فمدفوع بأن في
الْإضَافَة يجري ما يجري في اللام من الإشَارَة إلَى الجنس وإلى الاسْتغْرَاق وإلى العهد .
قوله:(بل كلما دعوتك استجبت لي وهو توسل بما سلف معه من الاستجابة، وتنبيه
على أن المدعو له وإن لم يكن معتادًا فإجابته معتادة، وأنه تعالى عوده بالإِجابة [وأطمعه فيها، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه)]
بل كلما دعوتك هذه الكلمة أخذها من عموم النكرة في سياق النفي فيفيد ما ذكره لكن
الأولى إذ كلما دعوتك استجبت لي، والْمُرَاد بالمدعو له الولد. قوله ومن حق الكريم أن لا
يخيب من أطمعه، وفيه تنبيه عَلَى أن الشقاء هنا بمعنى الخيبة لا ضد السعادة فكما أن الْمُرَاد
بهذه الْجُمْلَة ذلك كَذَلكَ الْمُرَاد بقوله: (إني ومن العظم مني) الخ. التضرع
والاستغاثة والاسترحام مَجَازًا أو إنشاء ؛ إذ لا فَائدَة في الخبر ولا لازمها وتصدير الْكَلَام
بحرف التَّأْكيد للمُبَالَغَة في التضرع والتذلل وكذا الْكَلَام في قوله (وإني خفت الموالي)
الآية. فإن المقصود من هذه الأخبار الاسترحام وتمهيد لطلب الولد .
قوله تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ
لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)
قوله: (يعني بني عمه وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا خلافته عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو توسل بما سلف معه من الاستجابة أي قول زكريا في أثناء دعائه(وَلَمْ [أَكُنْ]
بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) توسل منه لما سبق منه في الزمان الْمَاضي من إجابة الله دعاءه لم
يخيبه في دعائه قط إلَى استجابة هذا الدعاء وهو دعاؤه للولد .
قوله: وتنبيه عَلَى أن المدعو له وإن لم يكن معتادًا لإجابته معنادة أي هذا الْقَوْل كما أنه توسل إلَى
إجابة دعائه تنبيه أَيْضًا عَلَى أن المدعو له وهو وهب الولد زمان الكبر والهرم وإن لم يكن مما جرت
عليه عادة الله تَعَالَى لكن إجابة الله دعائه الذي دعا به من قبل مرارًا كثيرًا معتادة وأنه تَعَالَى عوده بالإجابة
وأطمعه، ومن عادة الكريم أن لا يخيب من أطمعه. أقول: لفظ التَّنْبيه هذا لا يناسب المقام لأن التنبيه إيقاظ
المخاطب عن سنة الغفلة والمخاطب هنا سلطان لا يجري عليه غفلة ولا يغيب عن علمه شيء .