قوله:(أي [إلا مثل] ما كانوا يعملون فحذف المثل وأقيم ما كانُوا يَعْمَلُونَ مقامة مبالغة
في المماثلة) فهذا أبلغ من قَوْلُه تَعَالَى (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) من وَجْهَيْن.
وجه المُبَالَغَة في المماثلة اتحاد العينية، وفيه مُبَالَغَة أخرى وهي ذكر عملوا ثانيًا دون جاءوا
لأن فيه إشَارَة إلَى أن عملهم عن قصد؛ إذ العمل يخصه كما قاله الرَّاغب كذا قيل. ويرده
قولهم الْأَعْمَال الاضطرارية مضطرون في اختيارنا، فالأولى أن الْجَزَاء للعمل دون المجيئة
لكن بشرط عدم الإحباط فلذا ذكر جاء أولًا وَعَملُوا ثانيًا.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى
وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85)
قوله: (أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه) وللتعميم إلَى هذه الأمور
الثلاثة. قيل فرض عليك الْقُرْآن؛ إذ لا معنى لفرض نفس الْقُرْآن لكن أوقع الفرض عليه
للتعميم. أى إن الذي حملك صعوبة هذا التكليف ليثيبك عليها ثوابًا لا يحيط به الوصف
كما في الكَشَّاف.
قوله: (أي معاد وهو المقام المحمود الّذي وعدك أن يبعثك فيه) أي معاد أَشَارَ إلَى
أن تنكير معاد للتعظيم وهو المقام المحمود الخ. فالرد حِينَئِذٍ لكونه موعودًا كما قال الذي
وعدك الخ. والْمُرَاد الشفاعة العظمى أي ليست لغيره عَلَيْهِ السَّلَامُ من الْأَنْبيَاء والمرسلين
والْمَلَائكَة المقربين أو الْمُرَاد به مقامه الذي وعده في الجنة والأول هُوَ المناسب لقوله إلَى
معاد لأن المعاد كالْحَقيقَة في المحشر لأنه ابتداء العود إلَى الحياة فإن العود الرد إلَى ما كان
عليه والمحشر كَذَلكَ والْقَوْل بأن الصحيح ما أشار إليه علي رضى الله تَعَالَى عنه وابن
عباس - رضي الله تَعَالَى عنهما - أن ذلك الجنة التي كان فيها بالْقُوَّة في ظهر آدم ضعيف؛ لأنه لا
يَخْتَصُّ به عَلَيْهِ السَّلَامُ مع أن الْكَلَام ما يَخْتَصُّ به عَلَيْهِ السَّلَامُ وإن كان هذا أنسب للمعاد
لأن الرد إلَى ما كان عليه من الحالة أظهر فيه؛ إذ الحياة في الْآخرَة ليست عين الحياة في
الدُّنْيَا حتى يقال أنه الرد عَلَى ما كان عليه.
قوله: (أو مكة الّتي اعتدت بها على أنه من العادة رده إليها يوم الفتح، كأنه لما حكم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي [إلا مثل] ما كانوا يَعْمَلُونَ، وإنما قدر المثل لبيان المجازاة تكون بمثل العمل لا بنفسه
فحذف المثل مُبَالَغَة في التشبيه كان جزاء العمل لشدة مناسبته له صار كأنه هو، فهو في حذف المثل
فحذف الكاف في زيد أسد مُبَالَغَة في وصف زيد بالشجاعة. قوله أي معاد أي كامل في المعادية.
معنى الْكَمَال مستفاد من معاد فإنه للتعظيم هذا إذا أريد بالمعاد الإنابة والرجوع إلَى مقاماته العالية
في الْآخرَة والاتصال بالقدسيين.
قوله: أو مكة التي اعتدت بها. من الاعتياد عَلَى أن معنى معاد مَوْضع تعود. قال الرَّاغب: