وهذا معنى الفساد وقبول المادة صورة أخرى، وهذا معنى الكون. وجه الدلالة هُوَ أنه لما زال
صورة التراب وحصل صورة إنسان، وأَيْضًا لما زال صورة النَّار وحصل صورة الشَّيَاطين علم
أن الكون والفساد ثابتان .
قوله: (وأن الشَّيَاطين أجسام) لا أرواح ونفوس شريرة كما زعم البعض .
قوله: (كائنة) أي حاصلة بالكون كما مَرَّ تحقيقه .
قوله:(ولعل إضافة خلق الْإنْسَان إلَى الطين والشَّيَاطين إلَى النار باعْتبَار الجزء
الغالب)وهو الطين في الْإنْسَان والنَّار في الشَّيْطَان وهذا ليس بلازم عند من أثبت الجوهر
الفرد والجزء الذي لا [يتجزأ] وهم أهل الشرع .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ(13)
قوله: (قال) اسْتئْنَاف وعن هذا اخْتيرَ الفصل كسابقه (فاهبط) الفاء للتعقيب مع
السببية فإن الأمر بالهبوط مسبب عَمَّا صدر من المطرود بلا تأخير .
قوله: (منَ السَّمَاء) التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الْمَلَائكَة إلَى الْأَرْض
التي هي محل العاصين المتكبرين من الثقلين. قيل هذا قول بعض المعتزلة انتهى. فالأولى
عدم التعرض فضلًا عن التقديم .
قوله: (أو الجنة) وهذان الْقَوْلان هما الْمَشْهُورَان ولم يتعرض لغيرهما لعدم شهرته
وضعفه. قال ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - وكانوا في جنة عدن لا في جنة الخلد إن أريد
بمرجع الضَّمير الجنة، كما هُوَ الظَّاهر المؤيد بالنقل فالإضمار قبل ذكرها لشهرة كونه من
سكانها، وأما إن أريد به السماء فالإضمار قبل ذكرها يحتاج إلَى تكلف بعيد .
قوله: (فما يصح) أوله ؛ إذ التكبر قد كان منه فالمنفي هُوَ الصحة لا الكون، لكن
أريد المُبَالَغَة في نفي الصحة فتوجه النفي إلَى الكون والإمكان(وتعصى فإنها مكان
الخاشع المطيع).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
والطين والنَّار عنصران من العناصر الأربعة الكائنة والفاسدة بانقلاب كل واحد منها إلَى الآخر بلا
وسط أو بواسط بخلع صورة وليس صورة أخرى فما كان مخلوقًا مما شأنه أن يكون ويفسد يكون
كائنًا وفاسدا أيضا. قوله (وأن الشياطين [أجسام] كائنة) قوله: (خلقتني وكل مخلوق كائن) .
قوله: باعْتبَار الجزء الغالب فيه أن كل واحد من الإنس والجن مركب من العناصر الأربعة
غير أن الغالب في الإنس الجزء الترابي، وفي الجن الجزء الناري فقوله: (ولعل) الخ. مشعر
بمذهب الحكيم، وإلا فلم لا يجوز أن يكون آدم مخلوقًا من طين وحده، وإبليس من نار وحدها
وليس في الآية ما يدل عَلَى أن لآدم جزء غير الطين ولإبليس جزء غير النَّار .