قَوْلُه تَعَالَى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(62)
قوله: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) الْكَلَام يفيد الحصر قدم بسطه أي
توسيعه لكثرته؛ إذ التوسع له عرض عريض أو لشرافته من عباده التعرض لهم إشَارَة إلَى
وجه كونهم مرزوقين بطَريق التوسيع أو التضييق وإلى كونهم محتاجين.
قوله:(يحتمل أن يكون الموسع له والمضيق عليه واحدًا على أن البسط والقبض على
التعاقب)أي الموسع عليه عَلَى الحذف والإيصال. قوله عَلَى أن البسط والقبض عَلَى
التعاقب سواء كان البسط مقدمًا عَلَى القبض أو بالعكس كما هُوَ مشاهد، ولذا عطف يقدر
بالواو؛ إذ لا يحسن الفاء بل لا يصح بدون تمحل، ولذا قال الْمُصَنّف عَلَى التعاقب من
التفاعل دون التعقيب وإن صح عَلَى إطلاقه بدون تقيده بالبسط أو القبض، ولم يذكر الوسط
لأنه بسط بالنسبة إلَى غيره أو قبض.
قوله: (وأن لا يكون على وضع الضمير موضع من يشاء وإبهامه لأن من يشاء مبهم)
أي في (له) مَوْضع مَنْ يَشَاءُ بقرينة ما سبق. قوله وإبهامه أي إبهام الضَّمير أي راجع إلَى مبهم
غير معين لأن مرجعه وهو من يشاء مبهم غير معين فيراد بالضَّمير الراجع إليه غير
الْمُرَاد بـ مَنْ يَشَاءُ كقَوْله تَعَالَى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) .
وليس هذا من باب الاسْتخْدَام؛ إذ الْمُرَاد واحد مبهم يتحقق التوسيع في ضمن فرد
والتضييق في ضمن فرد آخر، ولما كان فيه نوع تكلف أخّره، [فالراجح] كون التوسيع
والتضييق بالنسبة إلَى شخص واحد إما لفظًا فظَاهر وإما معنى فلأن هذا عام لكل عبد
لما عرفت من أن التوسيع له عرض عريض ففي وقت يكون الشخص موسعًا عليه وسعة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: يحتمل أن يكون الموسع له والمضيق عليه واحدًا. يعني أن الضَّمير في (له) في قوله:
(ويقدر له) أي يضيق له راجع إلَى من في (لمَنْ يَشَاءُ) .
فظاهره يقتضي أن يكون المبسوط له الرزق والمضيق له شخصًا واحدًا وهذا كالجمع بين المتنافيين
فلا بد أن يؤول الكلام وتأويله عَلَى وَجْهَيْن. الوجه الأول: أن يكون الموسع له نفس المضيق عليه
ويحمل البسط والقبض والتوسعة والتضييق في الرزق عَلَى التعاقب بأن يوسع الله الرزق لعبد زمانًا
ثم يضيقه عليه بعده، والوجه الثاني أن يكون الموسع له غير المضيق عليه بناء عَلَى أن الضَّمير في (له)
موضوع مَوْضع (مَنْ يَشَاءُ) بجامع كون الضَّمير والموصول مبهمين فإبهامه هُوَ الذي جوز وضعه
مَوْضع مَن فكان كأن يقال: (ويقدر لمن يشاء) فيتعدد المرزوق بناء عَلَى أن
الْمُرَاد بالموصول الْمَذْكُور ثانيًا غير الْمُرَاد بالموصول الذي ذكر أولًا. قال الطيبي رحمه الله: ويمكن
إن رجع الضَّمير إلَى مَن ويراد به العموم بدليل بيانه بقوله (من عباده) فيكون التعدد بحسب أشخاصه
والمعنى أن الله يبسط رزق بعض ويقدر رزق بعض، كما [يقال] : أكرمت بني تميم وأهنتهم، وتريد
البعض بقرينة المقام. والْمَعْنَى أكرمت بعض بني تميم وأهنت بعضًا آخر منهم. قوله وأن لا يكون
معناه ويحتمل أن لا يكون الموسع له والمضيق عليه واحدًا، وقوله وإبهامه [[مديًا] ] بالجر عطف عَلَى
من في قوله مَوْضع (مَنْ يَشَاءُ) أي عَلَى وضع الضَّمير في (له مَوْضع) مَن وإبهامه.