قَوْلُه تَعَالَى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10)
قوله: (طريقي الخير والشر) وهذه الهداية تعم الكافر أَيْضًا لأنها بإنزال الكتب
وإرسال الرسل أو بنصب الدليل الدال عليهما.
قوله: (أو الثديين) أي ثديي الأم هذا عَلَى عادة العرب فإنهم قَالُوا في القسم: أما
ونجديها ما فعلت. فالنجد الثدي والبطن تحته كالعمود ومعنى الهداية إلَى الثدبين مص
الصبي إياهما والاهتداء بهما إنما هُوَ بهداية الله تَعَالَى.
قوله: (وأصله المكان المرتفع) فاسْتُعيرَ لطريقي الخير والشر، هذا في الخير ظَاهر لأن
الامتنان عليه بأنه هداه وبيَّن له الطريق في غاية من الوضوح، وأما الشر فهداية طريقه كونه
امتنانًا لكونه سببًا للاحتراز عنه، ولذا قيل: عرفت الشر لا للشر بل لتوقيه. وكون الشر هبوطًا
عن ذروة الفطرة إلَى حضيض الشقاوة إنما هُوَ فعله لا بيان طريقه، وهذا مع كمال وضوحه
خفي عَلَى أرباب الحواشي فالذي قدر عَلَى أن يخلق من الماء المهين عقولًا وقلبًا ولسانًا
وشفتين وسائر الأعضاء السليمة فهو قادر عَلَى أن يجازي ويحاسب مثل هذا الشقي، ولذا
قال أولًا ثم قرر ذلك الخ.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11)
قوله: (فلم يشكر تلك الأيادي باقتحام العقبة) فلم يشكر تلك الأيادي أي النعم
الْمَذْكُورة باقتحام العقبة أي بفعل أنواع القربات ومن جملتها ما ذكره بقوله: (فك رقبة)
الخ. أشار به إلَى أن في الْكَلَام مَحْذُوفًا بقرينة أن اقتحام العقبة شكر ولذا قيل:
هذا بيان لحاصل الْمُرَاد منه يعني لا حذف فيه.
قوله: (وهو الدخول في أمر شديد) وهو أي الاقتحام الدخول في أمر شديد
والعبادات ثقيلة عَلَى النفس إلا [على] الْخَاشعينَ وهي الدخول في أمر شديد، وفيه إشَارَة إلَى أن
أفضل الْأَعْمَال أحمزها، فالشكر الكامل بمواظبة الْأَعْمَال الشاقة وهي العمل بالعزائم دون
الرخص فيما يجوزان له وهو اتباع أحسن ما نزل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: طريقي الخير والشر. قال الزجاج: النجدان الطريقان الواضحان. والنجد المرتفع من
الْأَرْض. والْمَعْنَى ألم نبين له طريقي الخير والشر بيانًا كبيان الطريقين العاليَين. قَالَ محيي السنة: ذكر
العقبة هَاهُنَا مثلٌ ضربه الله تَعَالَى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر فجعله كالذي
يتكلف صعود العقبة. قال صاحب الفرائد: هذا تنبيه عَلَى أن النفس لا توافق صاحبها في الإنفاق
لوجه اللَّه ألبتة فلا بد من التكليف وحمل المشقة عَلَى النفس والذي يوافق النفس هُوَ الافتخار
والمراء فكأنه تَعَالَى ذكر هذا المثل بإزاء ما قال: (أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا) والْمُرَاد بيان
الإنفاق المفيد وأن ذلك الإنفاق مضر. تم كلامه. فالتمثيل بالعقبة تَرْشيح لاسْتعَارَة النجدين للطريقين.
وذكر الاقتحام ترشيح لاسْتعَارَة العقبة لمقاساة الشدائد في الطريق.