لَيِّنًا) أي؛ إذ الخشية الخوف مع الإجلال أو الخوف مُطْلَقًا إنما تكون بعد
المعرفة ولذا قال تَعَالَى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) الآية. وقوله بعد
المعرفة إشَارَة إلَى معنى الفاء ولو قال وسبب المعرفة أَيْضًا لكان إشَارَة إلَى معنى الفاء
بتمامه والخشية تعقب المعرفة، ولذا اخْتيرَ الفاء عَلَى ثم. قوله وهذا كالتَّفْصيل الخ. لما عرفت
أن هذا دعوة إلَى التوحيد بطَريق العرض والمشورة وهذا قول بين، وإنما قال كالتَّفْصيل لأن
تأخّره عن قوله: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) غير معلوم، وإنَّمَا اكتفى هنا بقوله فقل
الخ. لأن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أصل في الدعوة ولشركة هارون عَلَيْهِ السَّلَامُ في الدعوة ولو
تبعا قيل: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى(20)
قوله: (أي فذهب وبلغ فأراه المعجزة الكبرى) نبه به عَلَى أن الفاء فصيحة منبئة عن
الْمَحْذُوف وفي الْكَلَام حذف إيجاز أكثر من جملة واحدة. قوله وبلغ لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ له
(هل لك إلَى أن تزكى) الخ. وفيه حذف آخر وطلب الآية الدَّالَّة عَلَى صدقه
كما ذكر في موضع آخر كما في سورة الشعراء (فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى) بعد
الطلب. وبالْجُمْلَة اختصر القصة هنا.
قوله: (وهي قلب العصا حية فإنه المقدم) وهذا قول البعض اختاره الْمُصَنّف
وأثبته بقوله فإنه المقدم لقَوْله تَعَالَى في طه (واضمم يدك) إلَى قَوْله:
(لنريك من آياتنا الكبرى) قال الْمُصَنّف هناك: وهي معجزة ثانية فلا جرم
أن الْمُرَاد بالآية الكبرى قلب العصا حية. وقيل إنها اليد البيضاء لقَوْله تَعَالَى في طه
(واضمم يدك) الآية. ولا مساغ لأن تراد هنا لما مَرَّ من أنها معجزة ثانية فما
وقع أولًا عقيب الدعوة ليس إلا قلب العصا حية.
قوله: (والأصل) أي الراجح لأنها أقوى المعجزات فيكون راجحًا عَلَى الغير وكون
الأصل بمعنى ما يبتنى عليه الشيء تكلف وبين بأنه أصل بالنسبة إلَى اليد البيضاء عَلَى
الخصوص فإنها كالتبع لأنه كان يتقيه بيده فقيل له: (أدخل يدك في جيبك)
الآية. فالأصل هُوَ الأحق بالوصف بالكبروية فحِينَئِذٍ الصغرى اليد البيضاء فإنها صغرى
بالنسبة إلَى العصا وإن كانت كبرى في نفسها أو بالنسبة إلَى سائر المعجزات سوى العصا
فإن الكبر والصغر يختلفان بالْإضَافَة.
قوله: (أو مجموع معجزاته فإنها باعْتبَار دلالتها كالآية الواحدة) أو مجموع معجزاته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي فذهب وبلغ فأراه المعجزة. فالفاء في (فأراه) هي الفاء الفصيحة
لإفصاحها عن هذين الْمَحْذُوفين؛ لأن إراءة المعجزة لا تكون إلا بعد الذهاب والبلوغ.
قوله: فإنه كان المقدم والأصل. بيان لوجه كبر قلب العصا حية من بين سائر معجزات مُوسَى
عَلَيْهِ السَّلَامُ.