قَوْلُه تَعَالَى: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ(7)
قوله: (أَيَحْسَبُ) الخ) ولم يكتف بقوله:(أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ
عَلَيْهِ أَحَدٌ)ولم يره بل أعاد أيحسب وأحد للتنبيه عَلَى تغاير الحسبانين
باعْتبَار متعلقهما.
قوله: (حين كان ينفق أو بعد ذلك فيسأله عنه) حين كان ينفق فـ (لمْ) باق عَلَى بابه.
أو بعد ذلك أي بعد الإنفاق فـ (لمْ) بمعنى لن ومدخولها مضارع عبر بالْمَاضي لتحققه كما
في سائر المواضع لكن لا مقتضى للعدول عن الظَّاهر. قوله فيسأله عنه أي بالْجَزَاء كما
قال فيجازيه الخ. أشار به إلَى أن الْمُرَاد بذلك الْجَزَاء؛ إذ الرؤية العلمية كناية عن السؤال
والْجَزَاء أو الْمُرَاد به سؤال توبيخ فيترتب عليه الْجَزَاء. قوله فيسأله يجوز أن يكون
منصوبا عَلَى كونه جواب النفي عَلَى الاحتمالين كون لم باقيًا عَلَى حاله أو بمعنى لن
وإن كان الظَّاهر الأخير.
قوله:(يعني أن الله سبحانه وتعالى يراه فيجازيه، أو يجده فيحاسبه عليه ثم بين ذلك بقوله:
أَلَمْ نَجْعَلْ)الآية. يعني أن الله يراه عبر بالْمُضَارِع مع أن الظَّاهر الْمَاضي
للاسْتمْرَار لكون حين الإنفاق مستمرًا لكثرة إنفاقه، فلا يقال لا اسْتمْرَار حين الإنفاق لعدم
اسْتمْرَار إنفاقه؛ إذ قَوْلُه تَعَالَى حكاية عنه (أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا) صريح في اسْتمْرَار
الإنفاق ولا يندفع هذا الإشكال بحمل الْمُضَارِع عَلَى مشاكلته لما في النظم فإنه مجاز عن
الاسْتمْرَار؛ إذ لا احتمال لغيره. فيجازيه ناظر للأول أو يجده الخ. أشار به إلَى أن الرؤية مجاز
عن الوجدان اللازم له فالرؤية بصرية عَلَى هذا الاحتمال، لكن الوجدان بمعنى المصادفة
الحقيقية غير متصورة فإرادة الرؤية العلمية مستقيمة. قوله فيحاسبه عليه يؤيده.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)
قوله: (يبصر بهما) تأكيد لكون الْمُرَاد بالعين حَقيقَة الْمُرَاد عضوين.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)
قوله: (يترجم به عن ضمائره) يخبر به عَمَّا في ضميره؛ إذ الْكَلَام لفي الفؤاد، وما ليس
في الْقُلُوب لا يمكن النطق به. والترجمة لا تختص بتفسير لسان آخر، أَلَا [تَرَى] قول الشاعر:
إنَّ الثَّمانينَ وبُلِّغْتَها ... قد أحْوَجَتْ سَمعي إلى تَرْجُمانْ
فإن سلم الاخْتصَاص يكون اسْتعَارَة هنا وفي كلام الشاعر، ولم يذكر السمع هنا كما
ذكر في أوائل سورة الدهر حيث قال: (فجعلناه سميعًا بصيرًا) وكذا في
سائر المواضع للاكتفاء بما ذكر في مواضع كثيرة، ولم يعكس مع أن السمع أفضل من البصر
إذ العين مناسب هنا؛ إذ المقسم به وأكثر المقسم عليه من قبيل المبصرات، وكذا وجه عدم
ذكر الأفئدة (يستر بهما فاه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب وغيرها) .