[مشاقًا لأنها ثقيلة] عَلَى الأنفس إلا المرتاضين الَّذينَ وطنوا نفوسهم عَلَى الصبر عَلَى
الطاعات والصبر عن المنكرات لأنها متوقعة في مقابلتها ما يستحقر لأجله مشاقها ويستلذ
بسببه متاعبها، ومن ثمة قال النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ"وجعلت قرة عيني في الصلاة"فلو قال فإن
تحمل المشاق إنما هُوَ للتوقع في مقابلتها ما يستحقر لأجله وهو الثواب الدائم مشاقها
ولخوف العاقبة لكان إشَارَة إلَى أنهم بين الخوف والرجاء .
قوله: (وتكرير الضَّمير للاخْتصَاص) والْمُرَاد بالاخْتصَاص بعد الاخْتصَاص ؛ إذ تقديم
المسند إليه عَلَى الخبر يفيد القصر، لكن إفادة تكرير الضَّمير الاخْتصَاص محل تأمل والتكرير
إنما يفيد التَّأْكيد أي تأكيد الإسناد أو تأكيد المسند إليه أو المسند لا تأكيد الاخْتصَاص إلا
أن يقال تكرير ما يفيد الاخْتصَاص يؤكد الاخْتصَاص، كما يفيد تقوي الحكم، وهنا لما أفاد
تقديم الضَّمير الثاني الاخْتصَاص تعريضًا بمن عداهم من أهل الْكتَاب، كَمَا صَرَّحَ به في
سورة البقرة فإفادة اخْتصَاص تقديم الضَّمير الأول الاخْتصَاص يكون تأكيدًا فهذا أبلغ مما
في سورة البقرة وهو قَوْلُه تَعَالَى: (وبالْآخرَة هم يوقنون) .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ(4)
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) لما بين أحوال الَّذينَ يوقنون بالْآخرَة شرع في
بيان أحوال أضدادهم وتَخْصيص عدم إيمانهم بالْآخرَة بالذكر لما خص إيقانهم بها وجه
الاخْتصَاص هناك لأن الإيمان بها الركن الأعظم من الإيمان كالإيمان باللَّه لأن الإيقان بالْآخرَة
يحمل صاحبه عَلَى النظر والتدبر خوف العاقبة حتى يؤمن بجميع ما يجب الإيمان به وترك
العاطف لتباين الغرض ؛ إذ الأول مسوق لكون الْكتَاب هدى وبشرى للْمُؤْمنينَ، والثاني سيق لكون
أعمالهم القبيحة مزينة لهم والتَّأْكيد بـ إنَّ للمُبَالَغَة في وقوع مضمون الْجُمْلَة .
قوله: (زين لهم أعمالهم القبيحة بأن جعلها مشتهاة للطبع محبوبة للنفس) وإسناد التزيين
إلى الله تَعَالَى حَقيقَة ؛ إذ ما من شيء إلا وهو فاعله وإسناده إلَى غيره تَعَالَى مجاز لكونه سببًا له
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وتكرير الضَّمير للاخْتصَاص. قال صاحب الانتصاف عد الضَّمير من آيات الحصر ليس
بثبت، وهنا الضَّمير مكرر لأن الأصل وهم يوقنون بالْآخرَة فقدم المجرور للعناية فوقع فاصلًا بين
المبتدأ والخبر فأريد أن يلي المبتدأ خبره وقد حال المجرور بَيْنَهُمَا فتكرر ذكره ، ولم يفت العناية
بالمجرور حيث بقي مقدمًا. وقال الطيبي: كلام صاحب الانتصاف كلام من لم يشم رائحة من علم
البيان فإنهم أجمعوا عَلَى أن مثل أنا عرفت يحتمل التقوي والتَّخْصِيص أما التقوي فلتكرر الإسناد
وأما التَّخْصِيص فلاعتبار تقدم الْفَاعل المعنوي عَلَى عامله، ولما تقدم ضميرهم عَلَى يوقنون وأكد
بالتكرير أفاد التَّخْصِيص والتوكيد، ولهذا قال صاحب الكَشَّاف معناها وما يوقن بالْآخرَة حق الإيقان
إلا هَؤُلَاء [الجامعون] بين الإيمان والعمل الصالح .
قوله: بأن جعلها مشتهاة للطبع محبوبة للنفس. فسره رحمه الله عَلَى ما عليه أهل السنة فإنهم
قَالُوا معناه [زينا لهم] أعمالهم بما ركبنا فيهم من الشهوات والأماني حتى رأوا ذلك حسنًا وهو كالختم
والطبع وفيه إثبات خلق الله تَعَالَى أفعال العباد. قال الزَّمَخْشَريُّ فإن قلت: كَيْفَ أسند تزيين أعمالهم