قوله: (الَّذينَ يَعْمَلُونَ الصالحات من الصلاة والزكاة) إشَارَة إلَى أن ذلك كناية عن
عمل الصالحات مُطْلَقًا لأن جميع العبادات مرجعها التعظيم لأمر الله والشفقة عَلَى خلق الله
ففي الصلاة تعظيم أمر الله، وفي الزكاة الشفقة عَلَى خلق الله فيراد بهما جميع المبرات، وأَيْضًا
الصلاة الْعبَادَة البدنية والزكاة الْعبَادَة المالية فيراد بهما جميع العبادات البدنية والمالية وخصا
بالذكر لأن الصلاة أم العبادات الحاوية لجميع المبرات والزكاة قنطرة الْإسْلَام.
قوله: (من تتمة الصلة والواو للحال أو للعطف) من تتمة الخ. لأن الحال قيد والْمَعْطُوف
في حكم الْمَعْطُوف عليه، ولما كان محط الفَائدَة القيد أخَّره، بيان إيقانهم الْآخرَة ذكر مع أنه مقدم
وجودًا وأنه متضمن إيقان جميع ما يجب الإيمان به. وجه التَّخْصِيص ما سيجيء.
قوله: (وتغيير النظم للدلالة عَلَى قوة يقينهم وثباتهم وأنهم [الأوحدون] فيه) وتغيير النظم
حيث اختير الْجُمْلَة الاسمية هنا مع تقديم الْمَفْعُول للدلالة عَلَى قوة تيقنهم وثباتهم لأن الْجُمْلَة
الاسمية تدل عَلَى الثبات والدوام، وفي الحصر المُسْتَفَاد من التقديم تعريض بمن عداهم من أهل
الْكتَاب بأن اعتقادهم غير مطابق ولا [صادرة] عن إيقان فاستفيد منه أن اعتقادهم بالْآخرَة في قوة
[اليقين] ومطابق للواقع. قوله وأنهم [الأوحدون] فيه إشَارَة إلَى ما ذكرناه.
قوله:(أو جملة اعتراضية كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم
الموقنون بالآخرة)أو جملة اعتراضية أي غير متعلقة بما قبلها بحسب الإعراب وإن تعلقها
معنى وهذا بناء عَلَى كون الْجُمْلَة الاعتراضية في آخر الْكَلَام وهو مختار صاحب الكَشَّاف
ورضي به المص، ومآله أنها جملة تذييلية مقررة لما قبلها.
قوله: (فإن تحمل المشاق إنما يكون لخوف العاقبة والوثوق عَلَى المحاسبة) فإن
تحمل المشاق الخ. الْمُرَاد بالمشاق التكاليف الشرعية التي وضعها الله تَعَالَى، وإنَّمَا سميت
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: من تتمة الصلة والواو للحال، وذو الحال هُوَ الواو. [أي] في يقيمون ويؤتون، فالْمَعْنَى
يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة مَخْصُوصين بالإيقان بالْآخرَة أوحديين فيه، والحصر فيه هُوَ الْمَعْنَى
بحصر الكمال مثل زيد هُوَ الجواد.
قوله: كأنه قيل: وهَؤُلَاء الَّذينَ يُؤْمنُونَ إلَى آخره. يريد أن الضَّمير الأول وضع مَوْضع اسم الإشَارَة
فهو مثل قَوْلُه تَعَالَى (الذين يُؤْمنُونَ بالْغَيْب) (أُولَئكَ عَلَى هدى) وفائدته
الإشعار بأن من يرد عقيب اسم الإشَارَة وهم الْمَذْكُورون قبله أهل له لأجل اتصافهم بالخصال التي
عددت لهم فهو بمنزلة إعادة ذكرهم بصفتهم لتعليل الحكم الوارد بعده، فالْمَعْنَى هم أحقاء بأن يؤمنوا
بالْآخرَة لأنهم هم الَّذينَ جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، وهذه الْمَعَاني أعني معنى التخصيص
والتوكيد والتعليل إنما يفيدها التركيب إذا جعل وهم بالْآخرَة هم يوقنون جملة اعتراضية لاستقلاله
حِينَئِذٍ، وأما إذا دخل في حيز الصلة بأن جعل حالًا أو عطفًا عَلَى يقيمون عَلَى التأويل لم يحتج إلَى هذه
العبارة؛ إذ لو أُريد ذلك لقيل هم بالْآخرَة يوقنون عَلَى تقدير الحال وبالْآخرَة هم يوقنون عَلَى تقدير
العطف، فيفوت تلك الفوائد، ولهذا قال صاحب الكَشَّاف: ويكون جملة اعتراضية وهو الوجه فإن تحمل
المشاق إنما يكون لخوف العاقبة. وعن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -"من خاف أدلج"بلغ المنزل.