لمجرد التخفيف فالقصر ما قاله صاحب المفتاح لكنه تكلف فالوجه الأول هُوَ المعول.
قوله: (وتخصيص من يخشى لأنه المنتفع به) وأما غيره فلا [تغني] النذر عنه
فلا يلزم عدم إنذاره عَلَيْهِ السَّلَامُ غيره، ولذا قال تَعَالَى في مَوْضع آخر(لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ
نَذِيرًا) (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) نظيره قوله:(هُدًى
لِلْمُتَّقِينَ) (وَهُدًى لِلنَّاسِ) في شأن الْقُرْآن فلا مفهوم [للمخالفة] بأن هذا
القيد يقتضي عدم إنذار غيره؛ لأن المفهوم إنما اعتبر عند القائلين به إذا لم يكن قي القيد
فَائدَة سواها والفَائدَة هنا كونه منتفعًا به.
قوله: (وعن أبي عمرو منذرٌ بالتَّنْوين) فالظَّاهر أنه حِينَئِذٍ يتعين مسلك السكاكي.
قوله: (والْإِعْمَال عَلَى الأصل) أي الأصل فيه الإعمال حسبما أمكن وهو كون اسم
الْفَاعل بمعنى الحال كما نبه عليه بقوله لأنه بمعنى الحال فإذا لم يقصد التخفيف اخْتيرَ العمل
وإذا قصد التخفيف [تكون] الْإضَافَة الأصل والنكات مبنية عَلَى الإرادة والغرض كما نبه عليه
أرباب الْمَعَاني حيث قَالُوا أما ذكر المسند إليه فلكذا وكذا، وأما حذفه فلكذا وكذا فنبهوا عَلَى أن
الأصل هُوَ الذكر مرة والحذف أخرى ونظائره كثيرة جدًا. ومعنى الأصل في مثله هُوَ الراجح
فاندفع إشكال أبي حيان بأنه بل الأصل الْإضَافَة الخ. وذهل [عن] أن الأصالة تختلف باعْتبَار
الأغراض لما عرفته من أن الْمُرَاد بالأصالة هي الرجحان بالنسبة إلَى الغرض.
قوله: (لأنه بمعنى الحال) بناء عَلَى أن الاعتبار حال الإنذار ووقته فلا ينافي كون
إنذاره عَلَيْهِ السَّلَامُ مستمرًا؛ إذ الإنذار الْمَاضي حال حين وقوعه وكذا المستقبل وإنما اعتبر
حال الوقوع لأن الانتفاع وعدمه ظَاهر حال الإنذار فمن غفل عن هذه النُّكْتَة الرشيقة
فاعترض عليه بأن إنذاره مستمر الخ. فقد غفل.
قَوْلُه تَعَالَى: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا(46)
قوله: (أي في الدُّنْيَا أو في القبور) في الدُّنْيَا كما قال تَعَالَى حكاية عنهم:(قَالُوا
لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)بعد قَوْلُه تَعَالَى لهم:(كَمْ لَبِثْتُمْ فِي
الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ)فعلم منه أن الْمُرَاد لبثهم في الدُّنْيَا أحياء أو في
القبور أمواتًا استقصارًا لمدة لبثهم فيها بالنسبة إلَى خلودهم في النَّار، ولما كان الْمُرَاد
استقصار المدة عبروا عن هذا الاستقصار بعبارات مختلفة وهي(لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ
ضُحَاهَا)و (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)
فلا منافاة؛ إذ المقصود الاستقصار لا خصوصية الْمَعْنَى.
قوله: (أي عشية يوم أو ضحاه كقوله(إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)
ولذلك أضاف الضحى إلى العَشِيَّة لأنهما من يوم واحد) أي عشية يوم أَشَارَ إلَى أن التَّنْوين