أن الخسوء والكلال قد لا يقع بالمرة ولا بالمرتين فالْمُرَاد التكثير مَجَازًا بذكر المقيد وإرادة
المطلق؛ إذ التثنية تدل عَلَى الكثرة المقيدة بالاثنينية، والْمُرَاد مطلق الكثرة كما في لبيك الخ.
وقد فصل بيانه في النحو، ولذلك أي لكون الْمُرَاد الكثرة الخ. دليل إني عَلَى ذلك.
قوله: (بعيدًا عن إصابة المطلوب كأنه طرد عنه طردًا بالصَّغار) وفيه إشَارَة إلَى أن
خاسئاً اسْتعَارَة تبعية. قال في الصحاح: خسأت الكلب طردته وخسأ الكلب بنفسه يتعدى ولا
يتعدى والخسأ الكلب أَيْضًا انتهى. قوله بعيدًا عن إصابة المطلوب فيه تنبيه عَلَى أن خاسئاً
من خسأ الكلب بنفسه وإذا جعل من الخسأ بمعنى الكلب يكون فيه لطافة جدًا ولم يلتفت
إلى كون الْمَعْنَى متحيرًا من خسأ بصره أي تحير لانتفاء المُبَالَغَة الْمَذْكُورة واللطافة المزبورة
مع أن مآله معنى حسير فيلزم التكرار والصَّغار بفتح الصاد الذل والهوان الحسي فاسْتُعيرَ هنا
للذل المعنوي وهو ذل الخيبة.
قوله: (وَهُوَ حَسِيرٌ. كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة) وهو حسير [حال] من
ضمير (خاسئاً) أو البصر وكلال البصر مستلزم لكلال صاحبه، واخْتيرَ الْجُمْلَة هنا لأن الكلال
الدوام والثبوت بخلاف الخسوء.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ
السَّعِيرِ (5)
قوله: (أقرب السَّمَاوَات إلَى الْأَرْض) إشَارَة إلَى أن الدُّنْيَا صفة لا اسم مقابل للآخرة وأنها
من الدنو أي القرب لا من الدناءة. والْمَعْنَى السماء القربى منكم وما ذكره حاصل الْمَعْنَى والسماء
اسم جنس يقع عَلَى الواحد والمتعدد، والْمُرَاد هنا الواحد. وقيل جمع [سماءة] ويرده هذا الْقَوْل
الكريم حيث أطلق السماء عَلَى الواحد منها والْمَجَاز خلاف الظَّاهر، وكونه للتعظيم بعيد.
قوله: (بكواكب مضيئة بالليل) الأَولى منورة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
رجعة وليس الْمُرَاد الأمر برجع البصر رجعتين اثنتين فقط. قوله ولذلك أجاب الأمر بقوله:(يَنْقَلِبْ
إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ)فائدة التعليل بقوله هذا يظهر في قيد الْجَوَاب وهو
الْجُمْلَة الحالية أعني (وَهُوَ حَسِيرٌ) فتأمل.
قوله: بعيدًا عن إضافة المطلوب. أي إن رجعت البصر وكررت النظر متصحفًا أو متتبعًا في
التماس الخلل والعيب فيهن يرجع إليك بصرك [بالخسو والحسور] أي بالبعد عن إصابة الملتمس
كأنه يطرد عن ذلك طردًا بالصفا وبالإعياء والكلال لطول الإجالة والترديد بلفظ البصر الثاني
والثالث موضوع مَوْضع المضمر فإن الأصل أن يقال:"ثم ارجعه ينقلب إليك خاسئًا"فلعل فَائدَة
وضع الظَّاهر مَوْضع الضمير عَلَى ما قال صاحب الانتصاف: الإشعار بأن الأبصار التي تدرك بها كل
موجود ترجع خاسئة.
قوله: أقرب السَّمَاوَات الدُّنْيَا. تأنيث الأدنى وهو أفعل من الدنو بمعنى القرب.